5 سبتمبر، 2008

ظواهر سلبية !

أغمض عينيك و تخيل نفسك صاحب أملاك لمزارع التفاح مثلاً ، و أنت تقوم بجولتك اليومية فيها رأيت مرضًا أصاب ثمار المزرعة ، فأسرعت للهاتف و طلبت الأدوية الزراعية المناسبة و بدأت باستعمالها للتخلص من هذا المرض الذي أصاب قشور التفاح حتى تستطيع أن تبيع محصول هذه السنة و هو سليم و لا ترى الخسارة ، و هذا ما سيكون إنما المشكلة ستتكرر معك في السنة القادمة و التي بعدها و التي بعدها ، لأن علاجك كان لقشور التفاح لا لجذور الشجر المريض .
وفق نظرية ابن خلدون فإن الظواهر الكونية تنسحب على كل شيء في الكون لأنها تسير بنفس الأحكام و تلزمها نفس القوانين ، لذلك من اليسير علينا معرفة أن هذا المثال بعينه ينطبق على مجتمعنا بصورة جلية ، فعندما نشكل لجان و محاكم تفتيش نسيها العالم منذ القرون الوسطى لعلاج ما نظنه مشكلة فإننا في الحقيقة نخلق مشكلة جديدة فرعية على أصل المشكلة الرئيسية ، فوضعنا سيكون شبيهًا بمن يحارب ( السكارى ) و يسجنهم و في نفس الوقت يسمح بالخمارات و المراقص و العياذ بالله .سوء الأخلاق و تغير الآداب و المعاكسات و تراجع القيم كلها مصطلحات ملموسة على أرض الواقع بصورة فعلية و تمثل مشكلة ، إنما هي مشكلة فرعية نابتة من جذع الأسرة ، لأن الإنسان هو ابن بيئته و طباعه و آدابه هي ما يكتسبها من هذه البيئة فهو صورة حية للآداب المعنوية التي يتشكل منها مجتمعه و بيئته و التي أقرها كحدود مؤطرة له .طالما اننا نهمل التركيز على دور الأسرة في زرع قيمها ، و نهمل دور الفرد نفسه في ايجاد قابلية للتحلي بالأخلاق السليمة في نفسه فإن أي معالجة للـ"ظواهر الدخيلة " التي تعتبر مشكلة هي معالجة مؤقتة ما دام أن أصلها لا يزال يحمل " فايروس " هذه الاشكالية ، فأي علاج هو بالضبط كرجل التنظيف الذي يكنس الغبار و يخبؤه تحت السجادة .اذا استمر هذا التجاهل لدور الأسرة و الفرد نفسه ، فهذا يعني أن الخلل هو في نظام المجتمع و البيئة و أنه هو الذي يجب أن يُصلح قبل كل شيء ، و لو لم يُصلح فإن حتى اعضاء هذه اللجان الافتراضية المُشكلة سيكونون من نفس سنخية هؤلاء المعاكسين ، فالمسألة ستصبح كالمثل الكويتي ( عمي يمشط أصلع ) !
ثم إن لعب دور الوصاية على الناس يتطلب أن يكون ( الوصي ) أفضل من الموصى عليهم ، فهل هناك ضمانة أن هذه اللجان هي بأفرادها تشكل أفضلية على الناس و لو نسبية ؟ و هل هناك ضمانة أن هذه اللجان تملك المرونة اللازمة للعمل في بيئة متعددة المشارب كما هو عندنا في الكويت ؟طالما أن الضمان منعدم ، و فيه مخالفة دستورية لحرية الأفراد فتشكيل أمثال هذه اللجان هو مجرد شكليات لا تغني و لا تسمن من جوع .الله سبحانه زودنا بعقل و بطريقة عمل من شذ عنها فإن حسابه على الله ما لم يتعد بدليل على أحد حدوده أو على قانون منصوص عليه ، ما عدا ذلك فلم يخلقنا الله سبحانه لنكون أوصياء على الناس !
لو كل فرد أصلح نفسه قبل أن ينصب نفسه حاكمًا و مقيمًا لغيره من الناس لما رأينا أمثال هذه الظواهر التي تعد سلبية تأخذ كل هذه الضجة المفتعلة ، فهي موجودة منذ فجر التاريخ ، لكنها لم تكن في يوم من الأيام محاطة بمثل هذه الضجة التي جعلتها تقفز إلى خانة المراتب الأولى في الأزمات التي نواجهها .التعامل معها جدًا بسيط و في أطر قانونية و ليس هناك حاجة لمثل هذه اللجان التي يهدف مقترحيها إلى دغدغة مشاعر و عواطف الناخبين من مدعي المثالية العظمى حتى يضمنوا بقاءهم على الكرسي الأخضر .
...
لديك معاملة في إحدى وزارات أو إدارات الدولة ، إذا كان جوابك بنعم فستضطر آسفًا إلى أن تأخذ إجازة عرضية أو مرضية و كلاهما في الكويت واحد لتبدأ معاناة جمع التواقيع بما فيها توقيع رجل الأمن على بوابة الوزارة ، و ستمر بماراثون يذكرنا برالي داكار ما بين الإدارات المختلفة و وزارات الدولة حتى تستطيع جمع الأوراق المطلوبة لتنتهي من معاملة بسيطة يمكن تلخيصها بسطرين في ورقة عادية و لكن يلزمها لتدخل حيز التطبيق عشر ورقات A4 مملوءة بالتواقيع و الشخابيط .
ما كتب أعلاه ليس سيناريو لحلقة كوميدية في مسلسل تلفيزيوني يضخم الأشياء البسيطة لإدرار الضحك ، بل هو عين الواقع الذي نمر فيه يوميًا في الكويت ، و هو ليس سوى إرث أخذناه من البيروقراطية المصرية التي استوردناها بكل مآسيها بعد ألقتها الدولة العثمانية في تخوم المحروسة .
و هو نتيجة طبيعية لمفهوم الإدارة و الكرسي المغلوط عندنا ، فكل شخص يزور كرسي لمنصب قيادي لعقدين من الزمن يأبى أن يرحل دون أن يُبقي اسمه محفورًا في أرشيف المنصب بعدة قوانين و نظم و تعليمات ، فوجاهة الكرسي لا تعني إلا أن صاحبها قادر على إصدار القوانين الملزمة و جعلها سارية العمل و لو لم يكن لها داع أو فائدة ، و هذه عادة ( شرقية ) بامتياز بحيث أصبحت هذه القوانين و التعليمات بعد أربعين سنة من البيروقراطية مجلدات متراكمة يحتاج المراجع البسيط إلى أن يصل أيامه بلياليها حتى ينتهي من تعدادها .
أعضاء مجلس الأمة المحترمين الذين ناموا ليلة الانتخابات و صحوا على وقع حلم تحول بين ليلة و ضحاها إلى حقيقة و هو أنهم سيطروا على ثلث مقاعد مجلس الأمة أصابهم داء المسئولين هذا ، فتعاهدوا على أن يتركوا أثرهم بقوانين تقترح لا لشيء إلا لإثبات الوجود و لضرب عدة عصافير بحجر واحد :
- الكل يعلم بان هذه الوجوه لم تصل لمجلس الأمة إلا بأصوات مدعي المثالية الزائدة من الملتزمين ، و الكل يعلم بأن أمثال هذه المقترحات لا محل لها في ارض الواقع لأن المطالبة النظرية شيء و التطبيق العملي شيء آخر ، فالنتيجة النهائية هي أن هذه المقترحات ليست سوى دغدغة لمشاعر الناخبين حتى يثبتوا لهم بأن صوتهم موجود .
- لعبة الابتزاز السياسي يجب ألا تغيب عن الأذهان ، فهؤلاء انشغلوا في صدمة وصول هذا العدد الكبير منهم لقبة عبد الله السالم إلى درجة أنستهم أسس التفكير المنطقي و أن هذه الدولة دستورية تحكمها قوانين تكفل الحرية الشخصية و ترفض الوصاية سيما في مجال الأخلاق و الآداب ، لذلك أسهل سبل ابتزاز الحكومة و بالتحديد رأسها يمكن في مثل هذه المقترحات التي تظهر على السطح مزهوةً بمن يقف خلفها .- هناك تململ قبلي من نتائج الانتخابات الأخيرة و طريقة تقسيم الدوائر ، الهوية القبلية التي تحاول فرض نفسها غصبًا كهوية تصبغ المجتمع الكويتي لا زالت تحارب على جبهات عديدة لإثبات أن تقاليدها و عاداتها هي عين ذات تقاليد المجتمع الكويتي و ما تعارف عليه ، و هناك تدخلات من دول ( مجاورة ) في مجلس الامة تلعب لأجل إثبات ذاتها و لأجل تزيين صورتها .
هذه كلها أسباب قد تفسر نوعا ما سبب مطالبة هؤلاء بمثل هذه اللجان ، و لكن هل نحن حقًا بحاجة لها ؟
كما قلتُ سابقا أن بيروقراطيتنا تعاني من تراكم القوانين المسنونة ، و لا غرابة إن أعطتنا هذه البيروقراطية بحكم نظرية الأحقاب لابن خلدون صورة أوضح عن ديمقراطيتنا التي أصبحت تبحث عن تكبيل الأيدي و تغلل الأرجل بدلاً من الحفاظ على الحرية الشخصية و العقائدية و الفكرية ، في الواقع نحن لسنا بحاجة لمزيد من القوانين أو اللجان و هي هواية كويتية بامتياز ، بل ما نحن بحاجة إليه هو تفعيل دور القانون الحالي و إعادة الاعتبارية له .نحن نعيش في مجتمع يعتبر أن الإلتزام بالقانون في الكويت هو عيب اجتماعي يلصق بالفرد ، فان تتبع القانون هذا يعني أنك " معيوب " و " بادبخت " لا تملك من أمرك شيئا ، نحن نعيش في مجتمع يقدس الواسطة و كسر القوانين ثم يمضي بقية يومه يتشكى من تغلغل الواسطة في إدارات الدولة و تفشيها مما أدى إلى خروجنا من السباق الحضاري مع جاراتنا ( و المقصود طبعا دبي و البحرين و قطر ) ، لذلك فلا عجب أن يتم اقتراح سن المزيد من القوانين الهلامية كقانون التشبه بالجنس الآخر الخاضع لمزاج حضرة الضابط كما هو قانون الطوارئ في مصر لمجرد إعادة الثقة باننا في دولة تملك قانون ، رغم أنه وضع لكسره بمتعة لا يضاهيها شيء على حسب المزاج ، و الآن نرى قانون لجان للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر .بدلاً من سن القوانين كان الاولى العمل على إعادة تفعيل القوانين الموجودة مسبقًا و تأكيدها و الحرص و المراقبة و هي وظيفة عضو مجلس الامة على تطبيقها بصورتها السليمة و محاسبة المسؤول المقصر على تقصيره في عمله ، و إعادة تفعيل القوانين تستلزم منهج واضح يؤصل الوعي عند المجتمع بأهمية القانون فدون وعي لن يكون لأي قانون أو لجنة يتم اقرارها مفعول فهي ستظل مجرد حبر على ورق و ميزانية مهدورة تمامًا كـ ( اللجنة الاستشارية العليا للعمل على استكمال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية ) و التي يبدو أنها في طريقها لرقم قياسي جديد بمجالها يفوق عدد سنوات الدعوة الإسلامية نفسها على يد النبي الاكرم - صلى الله عليه و آله و سلم - و هو 23 سنة !
الوعي الأسري هو فرعٌ عن وعي كل مسئول بمسئولياته و حرصه عليها ، فهو ليس عادة أو تقليد يتم نقله من جيل إلى جيل بطريقة مكتسبة ، إنما هي فطرة يحييها المجتمع الذي يصر عليها و يؤكدها ، كما أحياها الأروبيون في عصور التنوير بعد القرون الوسطى .كل المظاهر السلبية لا يمكن إلغاءها أو محوها من الوجود ، فهي متأصلة في الإنسان لأن الاختلاف سنة إلهية و ناموس طبيعي في الكون ، فكما أن البغاء يُعتبر أقدم مهنة في التاريخ ، فالأخلاق تعتبر أول فطرة فطرت بالإنسان ، المطلوب هو تقنينها و اخضاع الشاذ الظاهر منها لحكم القانون ، لذلك لو راجعنا تاريخ البشرية ، لرأينا قيام مجتمعات تحت أطر الدين و أخلاقياته و بيد أنبياء الله عليهم السلام ثم تنحل تلك الدول لتصل إلى مدارج الهبوط ، ثم تعود تلك المجتمعات نفسها بايقاظ الدين إلى الإلتزام بالأخلاق لتبدأ الصعود مجددًا و هكذا في دائرة ثابتة ، ما هو السبب الذي يجعل من هذه المجتمعات قابلة للحياة مجددًا ؟السبب هو معرفة العزف الصحيح على أوتار الأخلاق ، فالأخلاق موجودة في نفوس البشر و كل ما هي بحاجة له هو ايقاظ هذه الأخلاق لتأخذ دورها الصحيح لترسم سلالم صعود المجتمع ، و ايقاظها يكون بالوعي بها و إدراكها في مداركها الصحيحة ، لا بفرض الوصاية على الناس بها لأنها لو فرضت لمثلت نهاية لمفهوم الأخلاق فالنفس الإنسانية تأبى الفرض لانها حرة باختيارها و عملها و تفكيرها لا تقبل التكبيل .دستورنا كفل الحرية ، و لا تعارض بين الإسلام ( الحقيقي ) و الحرية أبدًا ، و لامعنى لأسلمة الدستور بنفس الصيغة التي يطرحها هؤلاء فليس في الدستور شيء ينكر الشريعة أو يقف ضدها و هذا علمٌ أكيد عند هؤلاء ، و لكنها كراسي الـ BMW 745 الوثيرة التي تفعل كل هذا ! ، بل إن مثل هذه اللجان ستوقع الكويت في مطبات لا غنى عنها أمام وكالات و لجان حقوق الإنسان في العالم ، لأنها تملك اتفاقيات و بيانات وقعت عليها الكويت و أصبحت ملزمة بها ، و يكفينا الملف المتخم بالتجاوزات في مجالها .

هناك 6 تعليقات:

أنا وزوجتي يقول...

أنا سألت زوجتي قتلها: انت شفتي هالموضوع؟ وأجابتني بنعم .
استغربت انها ما علقت!!!! فسألتها ليش ما علقتي ؟؟؟
فردت علي بأنها ماعرفت شنو تقول لأن الموضوع متكامل ومافي رد عليه, غير أحسنت.
قمت أنا بصير بو العريف, بقرا الموضوع ورد.
المهم وبعد ساعتين ونص وانا أقرا واتفحص وقلب بالموضوع.
اتضح ان هم انا ما عندي شي أقوله :)

إلا ...

الله يعطيك العافية ويقويك, ويرزقنا السلامة في القلب والإخلاص في العمل.

Safeed يقول...

تشرفنا بمروركم و قراءتكم ..
المهم أن كلامي لا يكون مجرد " صراخ " في فضاء الانترنت ، بل تصل رسالته لكل صاحب عقل يفكر في واقع الأمور .
لسنا بحاجة لمزيد من القوانين و التشريعات ... و لكننا بحاجة إلى مزيد من " الضميـر " فقط .

ماكنتوشه يقول...

ماشاء الله عشقت مدونتك من اول موضوع قريته
اسلوب + ثقافه
واصل :)

Safeed يقول...

ماكنتوشه ،،
أهـلا و سهلا ، و نتمنى لكم دوام المتابعة
:)

غير معرف يقول...
أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.
Safeed يقول...
أزال المؤلف هذا التعليق.