سفيد الطائفي [ 4 ]
في التاريخ الفارسي هناك قصة مؤلمة و طريفة بنفس الوقت عن أحد الشاهات الدمويين الذي ظفر بالمُلك فبدأبملاحقة اعدائه حتى قبض على أحدهم و أودعه السجن لإعدامه ، و لكن لمكانة هذا السجين توجه له أفراد عائلته و عشيرته ليتشفعوا له عند الملك فقبل شفاعتهم و كتب لهم على ورقة : « بخشش . لازم نيست اعدامش کنيد» أي « اعفو عنه ، لا حاجة لاعدامه » و طلب منهم التوجه للسجن بهذه الورقة ، فلما وصلوا و أعطوها للسجان اتى بالسجين و اعدمه أمامهم !
.
استغرب أهل الضحية و تعجبوا فقد قرؤوا أمر العفو باعينهم ، و لكن السجان قرأهُ « بخشش لازم نيست . اعدامش کنيد » أي « لا حاجة للعفو عنه ، أعدموه » .
.
هذا الرجل ذهب ضحية سوء قراءة السجان الذي لم يفهم النص جيدًا و لم يعرف متى يتوقف و متى يستمر بالقراءة ، متى يأخذ بظاهر النص و متى يعرف تأويله ، و في نفس الوقت ذهب ضحية الممارسة العامة لهذا الملك الدموي و ما كونه من خلفية عن دمويته و بُعده عن مسائل العفو و الصفح لدرجة جعلت السجان يستبعد العفو و يقرا الامر على أنه أمر إعدام عاجل .
.
هذه القصة تصلح كمدخل لمناقشة قضية التنميط في الحوار ، معظمنا يملك تصورات عن الفئة المخالفة له و إن كانت هذه التصورات نابعة من الإطلاع على مصادره و طرقه و لكنها بنحو ما متشكلة من خلال قناعات هذا الشخص ذاته ، فأي تصرف أو قول يصدر من الطرف المخالف له أو حتى الموافق في احيانٍ شتى يتم تأويله بناءً على الصورة النمطية التي سبق و أن تم تكوينها عن هذا الشخص و فكره و غالبا ما تفسر على الوجه السلبي.
.
صحيح أن القضية غير مقتصرة على المنحنى الطائفي أو الجَدَلي في شان المذاهب فقط بل تمتد لكل الهويات الفكرية الأخرى سواءً داخل المدرسة نفسها أو مع المدارس الأخرى إلا أنه يتم ملاحظتها بشكل واضح في هذا الخصوص ، تأمل مثلاً لو قام أحدٌ ما و ليكن ( أ ) بوصف شخصية تاريخية بقوله ( أن فلان كان كذا و كذا و كذا من الصفات و الأفعال) و قوله هذا كان نقلاً حرفيًا بلا زيادة أو نقصان من مصدر معتمد للطرف الآخر ، بماذا سيفسر كلامه هذا ؟
.
بلا شك انه سيوضع في مرمى النيران لترديه من كل جانب ، لا لنقص فيه او لسوءٍ في كلامه بل لأن الطرف الآخر ( ب ) فسّر ما قال ( أ ) على أنه تهجم بحت رغم أنه مذكور بكتاب معتمد و القول أيضًا معتمد بلا اشكال * و جلّ ما قام به هو نقله ، و سبب هذا الهجوم عليه أن الطرف ( ب ) استحضر كل الأفكار المسبقة و الصور النمطية السلبية المتكونة عنده ضد ( أ ) بناء على ما استسقاه من معلومات آتية من محيطه المغلق و أوّل ما قاله ( أ ) بناءً على هذا الشيء فاستلهم أن أي شخص ياتي على ذكر هذا الـ " فلان " فإن مقصده هو التهجم فقط لا غير ، من ثمة حكمَ على نيته قبل أن يحكم على ما نقله من القول.
.
في الأصول هناك قاعده متعارف عليها يُطلق عليها اسم ( التأويل المقبول عرفيًا ) و تقود إلى أنه إذا عُرف شخصٌ ما بتوجهٍ سليم أو غير سليم ثم وجد في منهجه أو نصوصه شيءٌ لا يتناسب مع منهجه المعروف عنه فإنه يؤل حتى يوافق منهجه بما هو مقبول عرفيًا .
.
هذه القاعدة مهمتها أن تؤكد على ( حقيقة الفهم ) لمطالب هذا الشخص و ما يمثله ، بحيث انها تؤيد التجرد التام من كل صور النمطية مسبقة التكوين عنه و قراءة ما قاله بناء على فهمه الخاص المشهور عنه لتقطع الطريق على أي تأويل لا يجده الطرف الآخر معبرًا عن ذاته بسلامة .
.
ثاني مراحل فهم الآخر بعد ما ذكر في " الجزء السابق " هو ما يُعرف فلسفيا بمنهج " مسح الطاولة " لديكارت أي مسح المعارف السابقة المكتسبة و إعادة بنائها مجددًا بعيدا عن الفوضى الحاصلة ، بالتأكيد هذا لا يعني مسح كل شيء و لكن يعني إزالة الصورة النمطية و إعادة بناء المعرفة وفق ما يريده ذلك الطرف من نقله لا وفق ما نريد نحن أن نفهم كلامه بموجبه .
.
معظم الجدالات تنتهي إلى مزالق متدنية بسبب القابلية الكبيرة عند الجهلاء لتحويل أي كلمة أو استشهاد إلى أداة صراع لأنهم يرونها بمنظور " المهاجم " لا منظور " المحاور " و كنتيجة متولدة من هذا الشيء تراهم إما يعمدون إلى سياسة تكميم الأفواه بالصوت العالي و التهديد تارة ، و إما إلى محاولة زرع حاجز بين ما ينقله الطرف الآخر و بين من يتوجه لهم بالحديث من خلال تخويفهم و تصوير نقله على أنه ذو هدف سلبي و بقصد المشاكسة لا غير و هذا ما يفقد الكثير من الحوارات طعمها سيما بين العوام لأنها تهدد المتحاورين بسيف التسلط و الخطوط الحمراء غير المنطقية .
.
لفَهم الآخر يجب أولاً أن نفهم سياسته في الحديث و أن نفهم موقفه و لا يكون هذا الشيء إلا باعطائه الحرية في التعبير السليم عن معتقده و عن أدلته و عن طرقه في اثبات هذه المعتقدات أما حصره ما بين إما السكوت و الصمت او الموافقة على رأي أُحادي واحد فهذا دليل العجز المتمكن و الخوف المتوطن عند أصحابه .
.
فَهْم الآخر بحاجة لاستبعاد الصور النمطية و إزالة سيف التهديد أولاً و تقويل الأقاويل على أصحابها دون دليل ثانيًا و الأهم من ذلك كله قراءة ما يكتبه و يقوله بصورة صحيحة كما يريدها هو دون اجترار الصور النمطية و استعمالها وحدها لمحاكمة نوايا الكاتب قبل التيقن مما كَتب ، و هذا كله مشروط بواقع البحث العلمي كما ذكرنا شطرًا منه في الحلقات السابقة .
يتبع إن شاء الله ..
________________
* معنى هذا الكلام أن هذا القول المنقول مستوف لشروط الإلزام للطرف الآخر ، فهو يلزمه بما ألزم به نفسه و بما رضا به واقعا دون شبهة او اشكال .
..... لقراءة الحلقات السابقة :