وحي عاشوراء [ 3 ]

يقول أبو الفرج الأصفهاني بأن النقص مستولي على بني البشر .
و من هذا الإستيلاء اتى د. علي شريعتي بنظريته الرائعة حول استيلاد البشر للأساطير و صنعها ، فهو حين يدرس شخصية الإمام أمير المؤمنين عليه السلام يقول بأن دوافع الإنسان نحو صنع الأساطير في مجال ما هو نقصهم في هذا المجال ، فهم يصنعونها ليسدوا هذا النقص ، و يضرب أمثلة على الحب العذري و صنع الناس لأساطير " روميو و جولييت " و " قيس و ليلى " و مثال القوة و يصوره مثلاً بـ" عنتر " و بـ" أخيل " ، فمن سبق ذكرهم إنما كان دافع الناس لسكب هذه القيافة الأسطورية عليهم لكونهم يفتقدون القوة و الحب العذري و صفات الكمال الأخرى في أنفسهم فيلجؤون إلى صنعها في هؤلاء حتى يكونوا مضربًا للأمثال لهم .
د. شريعتي يصل إلى نتيجة مفادها أن الإمام أمير المؤمنين - عليه السلام - ، كان مثالاً حيًا لا أسطوريا على كمالات البشر فلم تكن هناك حاجة لاسباغ صفاتها عليه ، لذلك يُعتبر هو من أكثر الشخصيات جدلا في التاريخ ، فكما يقول أمير المؤمنين عليه السلام واصفًا حاله : هلك فيّ اثنان : محب غال ، و مبغضٌ قال .
فالمحب ينجذب إليه لأنه يرى فيه الكمال التام ، و المبغض ينفر منه لأنه يمثل نقيضه الذي يؤرقه ، و هذا ما يشكل قوتي الدفع و الجذب و قد شرحها العلامة الشهيد مرتضى مطهري في كتابه بصورة وافية يندر مثيلها .
كان من المفترض أن يكون وحي اليوم عن شعائر الحسين عليه السلام ، و لكن موضوع قرأته [ 1 ] جعلني أغير الدفة .
كما ذكرت في ذلك الموضوع ، فإن أبيات المرحوم الملا عبد الرسول محيي الدين لا تفارقني و هو يقول في منتصف قصيدته الخالدة :
ياحسين ارتبطنا ويـاك.. بالـدم بالـــــنفـس بالجيـد
مثل ما قلنـه عالفطـره ..لا صـــــدفـه ولا تعويـد
افرض نشذ عن خطّك.. ونسير على خــــط ابعيـد
افرض يجتذبنه الكاس.. ويســحرنه هـوى التجديـد
افرض ننفتـن بافكـار.. ونتـــــــسمـم وفتـره نحيـد
افرض نلتهـي نقامـر.. ونـــــــتصـرف بـلا تقييـد
اشما تفرض بعد يحسين.. اشما نعـمل بعـد ونزيـد
لابـد ماتجـي الساعـه.. البيهـا نـــــــنتبـه ونعـيـد
لابـد ماهـو الرحمـه.. يدركنـا ونــــــــرد اجديـد
على قاعدة أنهم نورٌ واحد ، فالحسين هو امتداد لأبيه و لسيرته ، و هو امتداد لتلك المبادئ العظيمة ، إنّ أصحاب المبادئ يملكون فيضًا يَشغل الأذهان فيجعلها هائمة فيه ، تنجذب إليه لأنّ فيض هذه الشخصيات يبعث فيها شعور الحب و العشق و يسبغ عليها صفات الكمالات ، هم يرون أنفسهم كُمّلاً باتباعهم لهذه الشخصيات ، هذه الشخصيات ليست وليدة الأساطير لذلك لا يُختلف فيها ، و لكنها وجود حقيقي بكيانها لذا تراها تصبح في محل الخلاف .
يُروى عن الإمام الصادق عليه السلام عن جده رسول الله الأكرم - صلى الله عليه و آله - : إن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً .
هذه الحرارة في قلوب المؤمنين و الإيمانُ كما ينسلخ من الإنسان حين يرتكب معصية و يعود إليه حين يتوب [ 2 ] ، فإن الحسين بكمالاته الأخلاقية ، بصفاته البشرية ، بعواطفه الراقية ، بمجموع ما يمتلكه من درجات العلو هو لباس يُخلع من على أكتاف الناس حين يبتعدون عن حقيقة مبادئه و واقع ثورته و لكن ما أن يذكر اسمه و تتجدد مصيبته حتى يعود ليلف أجسادهم و يغطي فكرهم هيامًا فيه ، لباس حب الحسين هو لباس الإيمان .. يظل مكمونًا في القلوب طالما أنّ الدنيا تأخذ مآخذها ، و لكن حين تحين الساعة ينقلب كيان الإنسان .
إن سبب الإنجذاب نحو الحسين و عشقه ، هو نفسه سبب الإيمان بالله الواحد القهّار عز و جل ، فالحسين هو مظهر صفات الله ، هو بذاته تطبيق أوامر الله سبحانه ، فهو بمجموعه وجه الله في أرضه ، لذلك فإن المرء كلما انجذب لوحدانية الله عز و جل انجذب للحسين لأنه اصطبغ بصبغة الله فعشقته القلوب لذلك { صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً } ، مهما المرءُ ابتعد بإسرافه على نفسه يظل خيط الوحدانية يربطه ، هذا الخيط الذي يخاطب الفطرة الإنسانية التي يشترك بها كل البشر على اختلافهم ، فعشق الحسين عليه السلام يظل بسبب عشق الله عز و جل .
هذا الإنجذاب نقيضه هو ' النفور ' ، النفس المضللة تنفر من النور لأنها ترى فيه تهديدًا لكيانها و قلبًا لمفاهيمها ، فبما يمثله من القيمَ العالية يشكل ضربة تهدم قناعات هذا النافر لذلك يكيد كيده و يسعى سعيه في سبيل تضليل قضية النور و إنفار الناس منها ، حتى لا يطلعوا على الحقيقة التي تكشف زيفه و زيف إدعاءاته ، هو يرى وجودًا كوجود الحسين و أبيه عليهما السلام كيانا حقيقيا يقض مضاجعه فهما ليسا أساطيرًا تصنعهم المخيلة و تبقيهم فيها و تضفي عليهم ما تضفي ، بل هم حقيقة موجودة و قيم ثابتة و راسخة ، مثلُ هذا الشخص " الدونكيشوتي " يلفت إنتباهي إلى من يبذل كل ما يملك في سبيل تضليل جوهر هذه الأيام و فلسفتها لينطبق عليه قول الله عز و جل { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ } فهؤلاء يشترون كل لهو بالغالي و النفيس حتى يضلوا عن السبيل لأن في وجود الحقيقة الحسينية تضادٌ لأنفسهم .
من وصيّة الإمام الرضا - عليه السلام - لـ ريان بن شبيب :
" يا ابن شبيب ان كنت باكياً لشيء فابك للحسين بن علي بن ابي طالب (عليهم السلام) فانه ذبح كما يذبح الكبش"
_____________
[ 1 ] حُبك مدرسة .. ( اضغط للقراءة )
[ 2 ] عن النبي الأعظم - صلى الله عليه و آله - : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا يقتل حين يقتل وهو مؤمن.