4 أبريل، 2009

كسر أصنام الجاهلية





بما أنّ المكتبة في المدونة تئن من قلة المشاركة ، فآن أوان الإلتفات لها قليلاً.
في الأيام الأخيرة أصبحت عندي فسحة لا بأس بها لإعادة المطالعة و القراءة و الإلتفات للكتب الكثيرة المرمية عندي ، فقررت إعادة تنظيم المكتبة قليلا ( بما أنّ ترتيبها مستحيل نظريا و عمليا ) ، و بدأت بقراءة بعض الكتب و الأبحاث التي أهملتها سابقًا ، منها الكتاب الذي سأتحدث عنه اليوم.

.
اسم الكتاب : كسر أصنام الجاهلية ( و في الطبعة الحديثة زيد على العنوان " في الرد على الصوفية" ).
المؤلف : صدر المتألهين الشيرازي [1]
المحقق : حسين الطقش

و الكتاب هو إعادة إحياء لهذا التراث المنسي ، فهو قد طبع مرة واحدة سابقا سنة 1961 ، و هذه المرة أعيد تدقيقه و طباعته تحت إشراف ( معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية و الفلسفية ).

الكتاب لا يناقش قضية الإعتقادات أو المذاهب و قد يُفهم ذلك من عنوانه ، بل يناقش قضية ( الصنمية ) ، و هي كيف يخلق الإنسان لنفسه أصنامًا تكبله عن سلوك مدارج السالكين العارفين ، هذه الأصنام التي شبهها الملا رحمه الله بأصنام الجاهلية التي كبتلهم عن توجيه عبادتهم لله سبحانه ، و جاء ذكر الصوفية من باب ما اشتهر في زمن المؤلف من إدعاء التصوف و الحكمة و المعرفة و العرفان من قِبل بعض الجهلاء كما بيّن المصنف في مقدمة كتابه و هم في حقيقتهم أبعد الناس عن هذه الامور ، يُعتبر هذا الكتاب من أوائل الكتب التي ناقشت و فرّقت بين العرفان و بين التصوف ، بين من سماهم صدر المتألهين « الذين تشبثوا بذيل ناقص في العلم و العرفان ، قاصر مثلهم في العمل و الإيمان و مع ذلك ادعوا علم معرفة و مشاهدة الحق الأول ، و مجاورة المقامات عن الاحوال و الصول إلى المعبود و الملازمة في عين الشهود و معاينة الجمال الأحدي و الفوز باللقاء السرمدي و حصول الفناء و البقاء .
و أيم الله أنهم لا يعرفون شيئا من هذه المعاني ، إلا بالأسامي و المعاني ...
»

.
و بين أهل العرفان الذين عرفوا الله بالعقول و اتبعوه وفق شرائعه ، كما : «.. أنه لا يجوز و لا يتيّسر للإنسان متى كان مقصرًا في العبادات الشرعية أن يتعرض بشيء من العبادات الحكمية ، و الرياضيات السلوكية و المجاهدات التصوفية ، و إلا هلك و أهلك ، و ضل و أضل و غوى في غيابت جب الهوى»

.
الكتاب كُتب بلغة مسجعة جميلة اشتهر بها الفلاسفة و أهل العرفان إلى اليوم ، رغم ذلك فإن مفاهيم الكتاب يُمكن الوصول إليها من قِبل أي قارئ حتى مع كثرة المصطلحات الفلسفية و الفقهية و غيرها المذكورة في الكتاب ، لأن محققه قد قام بعمل جبّار في تعليقه و شرحه و تحقيقه لكثير مما ورد في الكتاب ، و قد اختصر الكتاب في قوله : « يحمل المؤلف في أكثر من موضع على أولئك الذين تظاهروا بالمعرفة وادعوا الإحاطة بالشرع، أو نبذوا العقل والشريعة جانباً، بدعوى عدم إمكان المعرفة بشيء وأن المعرفة هي الحجاب.. هذه هي رسالة الكتاب الرئيسية، وهي تعتبر الأساس لكل نزعة صوفية عرفانية صحيحة بنظر المؤلف »

.

ينقسم الكتاب إلى أربع مقالات :
المقالة الأولى (لا رتبة عند الله عز و جل أجل من المعرفة بذاته و صفاته و أفعاله و أن العارف هو العالم الرباني و أن كل من هو أعلم فهو أعرف و أقرب عند الله )
المقالة الثانية ( في أن الغاية من العبادات و المجاهدات هي تحصيل المعارف الإلهية)
المقالة الثالثة ( في ذكر صفات الأبرار و العاملين الذين درجاتهم دون درجات المقربين )
المقالة الرابعة ( في مواعظ في ذم الدنيا و أهلها )

.
و تحت كل مقالة هناك تفريعات عديدة ، يُمكن أن يصنف الكتاب من خلالها على أنه كتاب أخلاقي قبل أن يكون كتابا يناقش قضية ( الدين ) و ممارسته و شعائره ، و ما يقوم به بعض من يتمسحون بمظاهره في التكسب به ، و كذلك يُعتبر كتابًا فلسفيًا يتحدث عن الإنسان و صفاته و عوارضه من العشق و الحب و الأفعال و الأعمال ، و مبادئ الأفعال الأخلاقية -التي هي موضوع لازال مطروحا إلى اليوم منذ فلاسفة الإغريق إلى فلاسفة الغرب كرسل و هيغل و هايدغر و غيرهم .
.
حين يتحدث عن المادية مثلاً (رغم أنها حديثة ) يقول كما في ص 58 :
« إن النفس إذا عُميت عن أمر مرجعها و عالمها ، و خفي عليها معرفة مبدئها و معادها ، اشتغلت عند ذلك بالمحسوسات ، و استغرقت في بحر الشهوانيات ، و نسيت ذاتها و توهمت أنه لا وجود لشيء إلا للحسيات ، و لا اعتماد إلا على المشاهدات ، التي ينالها الحواس الظاهرة من الدنيويات ، و لو توهمت امور الآخرة لتوهمتها بعينها كالدنيا و زهراتها و شهواتها على وجه أدوم و ألذ و أوفر ، فلهذا يركن بحسب طبعها إلى الدنيا و يرضى بها و يطمئن إليها ... إلخ»

.
و حين يتحدث عن أفعال العباد و كمالاتها يقول في ص 150 :
« فإن سعادة كل احد هو عبارة عن إدراك ما يلائم ذاته ، و يوافق طبعه . و الملائم لكل شيء ما يكون مقتضى خاصيته ، و يكون به كماله.
و لهذا يكون لذة الباصرة [ العين] في إدراك الصور الجميلة ، و بذلك يحصل كمالها ؛ و لذة السامعة [ الأذن] في سماع الأصوات و لذة الشهويّة في طلب اللذائذ الحسيّة ، و لذة القوة العقلية في دفع الكريه الحسي بالإنتقام ، و لذة القوة العاقلة النظرية في إدراك حقائق الموجودات و نيل دقائق المعقولات ، و الإتصال بعالم المفارقات[2] . إذ به يحصل مقتضى خاصيتها و يتحقق كمالها و غايتها و تعاملها.
و لاشك أن أجّل المعقولات و أشرفها ذاتًا هو ذات الحق الأول [ الله سبحانه و تعالى] ، فيكون ألذ الأشياء عند العقل ، و ذلك لأن المطلوب كلما كان أكمل ذاتًا و اظهر تحققًا ، يكون إدراكه ألذ و أبهى
»
و في الجملة الاخيرة إشارة لطيفة إلى حقيقة ما يُمكن ان يسمى إدراكًا للإنجاز.
.
  • تعليـق أخيـر :

الكتاب بمجمله لطيف و جميـل للمهتمين في مثل هذه المسائل ، خصوصًا أنه يناقش قضية نعاني منها الآن من حيث كون الكثيرين اتخذوا الدين مطيّة لغاياتهم و أهدافهم و انخدع الناس بهم بينما هم يفتقدون لأبسط الكمالات الاخلاقية و الدينية لذلك يجب الإنتباه لهم و الوعي بهم ، هناك بعض الملاحظات عليه و لكن هذا ما يذهب إليه الملا صدر المتألهين ، بان قياس الناس لا يجب أن يكون بأسمائهم و صفاتهم و أشكالهم حتى يؤخذ قولهم بتمامه و لا يُرد عليهم ، فهذا نوع من الصنمية التي يصنعها الإنسان لنفسه ، بل يجب ان تكون الغاية (المعرفة) و منها يُقاس كل شيء ، سيما في الدين ، كما قال الإمام علي عليه السلام : اعرف الحق تعرف أهله.
أو كما قال الإمام الصادق عليه السلام : من دخل الدين بالرجال ، خرج منه بالرجال .. .


ملاحظة : الكتاب اشتريته من معرض الكتاب الأخير في الكويت.

و يُباع في النيل و الفرات و غيرها .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] صدر المتألهين الشيرازي : المعروف بـ الملا صدرا ، محمد بن إبراهيم القوامي الشيرازي عالم و فيلسوف إسلامي، كان أول من جمع بين فلسفة أفلاطون و أرسطو بمدرسته التي سماها بمدرسة الحكمة المتعالية و شرحها بأهم كتبه و هو : الحكمة المتعالية في الأسفار الأربعة العقلية أو ما يعرف بكتاب الأسفار.
له كتب و شروحات عديدة على الفلاسفة و الحكماء ، و الروايات.
توفي سنة 1050 هـ / 1640 م في البصرة أثناء عودته من الحج للمرة السابعة.
[2] عالم المفارقات معناه العالم اللا مادي ، أو العالم الذي لاتوجد به المادة و الصورة و غيرها ، و يسمى بعالم الأمر ، إذ يكفي في إيجاده أمر الله سبحانه و تعالى.

هناك 18 تعليقًا:

بو محمد يقول...

سفيد الحبيب
كم أتمنى قراءة كالذي عرضته في سويعات أقضيها في خلوه و لكن هيهات، أسأل الله أن يوفقني و الجميع للارتشاف من المعارف و العلوم المفيدة

شكرا يا سفيد فمنك دوما أستفيد

تكسب فيني ثواب على مقالات مراجعة الكتب كهذه يا سفيد

على الأقل آخذ عنها فكرة و أخطط لها مستقبلا

دمت و الأهل و الأحبة برعاية الله

ma6goog يقول...

ما احب الكتب اللي تهاجم معتقدات الآخرين

Safeed يقول...

بو محمد ،،
--------

إن شاء الله تتيسر الأمور ، و تتوفق إلى الإغتراف من أمثال هذه المعارف .

حياك الله ، و يخدمتكم :)

-=-=-=-=-=-=-=-=-

ma6goog ،،
-----------

اشكالك يبين أنك اكتفيت بقراءة العنوان ، دون قراءة المقال :)

نصيحة شخصية منيّ ، أن تشتري هذا الكتاب و تقرأه ، ففيه إجابة على كثير من الإشكالات عن سبب عدم التوفيق للوصول إلى حيازة العلوم المفيدة :)

Yin يقول...

أخي الكريم سفيد

مراجعتك للكتاب بطريقة شيقة ومبسطة جعلتني أود بقرائته مع إني متيقنة بأنه سيستصعب علي فهمه :)

موضوع الكتاب من الأمور التي تستهويني وتشدني فربما أجعله مشروعي القادم بعد أن أنتهي مما في يدي

قواك الله :)

why me يقول...

مادة الكتاب خلتني اعيش التشويق


شكرا سفيد :)


خل ادوره واقراه

علي إسماعيل الشطي يقول...

بارك الله فيك عزيزي سفيد

دائما رائع أخي الحبيب

سأسعى لإقتناء الكتاب و الإستفاده منه

شاكر لك

تحياتي

علي الملا يقول...

جميل ان أجد هنا في مساحتك الخضراء زاد العاشقين للعلم ..
رحمة الله تعالى على صدر المتألهين...

أحببت قراءاتك ...

نسألكم الدعاء

Yang يقول...

طرح جميل ومختصر ومشوق بنفس الوقت.

عطنا من هالكتب بلكت الله يهدينا :)

تسلم ايديك

Hussain.M يقول...

سفيد المفيد :

شكراً على هذا الطرح ، غالباً لا ألتفت إلى المواضيع التي تتحدث عن التصوّف والعرفان وهذه الرياضات الروحية التي لا أمتلك فيها لا ناقةً ولا جملاً ..

عرضك للكتاب شيّق جداً ، وجعلتني أعيد التفكير في طرح بعض الكتب في مدونتي وآرائي بها ، ..

شكراً على مثل هذه التدوينة و أترقب المزيد مثل هذه :)

Safeed يقول...

Yin ،،
------

أبدا ما فيه شي صعب :)
ترى الحال من بعضه ، معظم هالكتب ما أقراها لأني ما افهمها ، لكن هالكتاب مبسط بلغته و مضامينه جدا :)

-=-=-=-=-=-=-=-

why me ،،
--------

العفو.

للاسف حاولت البحث عن نسخة إلكترونية له ، لكن ما حصلّت بحكم حداثة الطبعة.

-=-=-=-=-=-=-=-

علي إسماعيل الشطي ،،
------------------

العفو يا بوالحسن ،
بخدمتكم :)

Safeed يقول...

علي الملا ،،
---------

أهلاً و سهلاً :)

و أنتم من أهل الدعاء إن شاء الله ،

شكرا للمرور .

-=-=-=-=-=-=-

Yang ،،
-------

أنتم هداة مهديون :)

الله يسلمكم :)

-=-=-=-=-=-=-=-

Hussain.M ،،
------------


بعض أعمالنا بحاجة للعرفان حتى ندركها
معرفتها دون الاستغراق بها مطلوب أحيانا :)

بانتظار ما تجودون به :)

مطعم باكه يقول...

العزيز سفيد .. :)
قراءة , كتب .. ماره علي هالكلمات :) ..!!
حقيقة لم أقرأ شيئا لملا صدرا , لكن شهرته ذائعة ..
يمكن بعد عشر سنوات لما اخلص الكتب الي عندي ادق عليك واستعير الكتاب منك :) ..
الى ذلك الحين , لا تتوقف عن تحديث المكتبة مشكورا ..

Makintosh يقول...

بان قياس الناس لا يجب أن يكون بأسمائهم و صفاتهم و أشكالهم حتى يؤخذ قولهم بتمامه و لا يُرد عليهم ، فهذا نوع من الصنمية التي يصنعها الإنسان لنفسه ، بل يجب ان تكون الغاية (المعرفة) و منها يُقاس كل شيء ، سيما في الدين ، كما قال الإمام علي عليه السلام : اعرف الحق تعرف أهله.

سفيدان (شرايك بالاسم) : اذا لقيت نوعيه بشر غير عن هذيل قولي عنهم.. لانه انا انسانه اعاني من سطحيه الناس.

كبرياء وردة يقول...

شوقتني اقراه

خصوصا لما قلت ان اسلوبه مبسط

بس ترى اذا ما لقيته بالبحرين رح اخذ كتابك :p

Safeed يقول...

مطعم باكه ،،
-----------



أذكر بالمتوسطة لما ننسى حل الواجب كان المدرس يصرخ علينا : نسيت تاكل ؟ نسيت تشرب ؟ نسيت تنام ؟ أكيد لأ ، بس نسيت تحل الواجب ، ها ؟!

و بما أن القراءة غذاء العقول ، فأقدر استعير كلام المدرس و أقولك : نسيت تغذي بدنك ؟ فشلون تنسى تغذي عقلك :) ؟

ههههه :) إن شاء الله تتيسر الأمور و تتوفق بإذن الله و تخلص قراءة الكتب اللي عندك قبل نهاية السنة الخامسة :)

-=-=-=-=-=-=-=-=-=-


Makintosh ،،
-----------


ديوجينيس اليوناني كان يمشي عاري بين الناس ، فسألوه : انت ما تستحي تطلع عاري جدام الناس جذي؟
قال : وينهم الناس ؟ إني لا أرى بشرًا !

سؤالكم ذكرني بعدة شغلات و خلاني افكر فيها ، لكن بذكرها بعدين ، بموضوع منفصل اذا وفقني الله سبحانه و تعالى :)

بخصوص الاسم ، فأنا افكر جديا بتغييره لـ سفيدان بعد ما زاد عدد مستخدمينه :)


-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-

كبرياء وردة ،،
------------


إن شاء الله بعد فترة أشوف مراجعة للكتاب في مدونتكم :)

و إذا ما حصلتوا نسخة منه ، فأنا على استعداد لـ(إعارته) لكم :)

Makintosh يقول...

ضروري تكتب الموضوع .. اصلا انا حاسه نفسي اني اكرهه البشر .. ماعدا البشر الي اتواصل معاهم الكترونيا اعزهم وايد .. وبانتظار الموضوع مو تنسى

على الاسم . حسبت نفسي اول وحده اقوله حسافه :)

Safeed يقول...

Makintosh ،،
-----------

ZooZ الله يرجعها بالسلامة كان لها قصب السبق في الإسم :)

لأن الإنسان اجتماعي بطبعه ، فلابد و أن يبحث عن ناس يجتمع أو يتقارب معاهم ، و لأنه سريع الحكم فهو غالبا يحكم على الناس في الحياة الواقعية بناء على مظاهرهم لأن الفرصة غالبا ما تسنح له لان يستمع لهم أو يشوف مستوياتهم "الفكرية" .

بينما في الانترنت فهو يشوف "النتاجات العقلية" للناس ، ما يشوفهم على الطبيعة ، أشكالهم / مظاهرهم / طريقتهم في التصرف ، و هذا يسلب منه قدرة الحكم عليهم من خلال مظاهرهم ، بالتالي حكمه يكون على اللي يقراه لهم فقط .. لذلك يمكن إنه يشعر بالألفة معاهم أكثر من الألفة مع الناس في أرض الواقع .. لانه حكمه هني حكم عقلي بحت ، يشوف الأفكار و المشاعر ، بدون الاشكال و المظاهر:)

إذا الله وفقني ، فإن شاء الله راح اكتبه .

و نسألكم الدعاء :)

Salah يقول...

تعليق مطقوق عقدني!