26 يونيو، 2009

قبس من نور الهادي







في الثالث من شهر رجب سنة 254 هـ و في سامرّاء بالعراق كانت شهادة الإمام علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا عليهم السلام ، المعروف بأبي الحسن الثالث و دُفن بمنزله هناك و دُفن بجانبه ابنه الإمام الحسن العسكري عليه السلام و ابنه الحسين رضوان الله عليه.

.
و في مثل هذا اليـوم ، من مناسبة الشأن تذكر بعض وصاياه و كلماته النورانية فهو من قومٍ كما قال عنهم في الزيارة الجامعة : «.. كلامكم نور وأمركم رشد ووصيتكم التقوى وفعلكم الخير وعادتكم الإحسان وسجيتكم الكرم وشأنكم الحق والصدق والرفق وقولكم حكم وحتم ورأيكم علم وحلم وحزم ، إنْ ذُكِرَ الخير كنتم أوله وأصله وفرعه ومعدنه ومأواه ومنتهاه.. »

.
من كلماته : ( إن الله إذا أراد بعبدٍ خيرًا إذا عوتب قبل).

.
-
و سبب الخير هو عدم المكابرة ، القبول بالخطأ إن حدث و الإعتراف به هو دليل على نزع صفة التكبر من صاحيها و إذا نزعت كان الإستعداد عنده لاستماع القول و اتباع أحسنه أكبر من غيره ، فقبول العتاب سواءٌ كان لخطأ أم لا يدل على سعة نفس الإنسان.

.
و سعة النفس أي قدرتها على قبول جميع الإدراكات و الآراء و الأقوال و احتوائها ، فالنفس من هنا يظهر انها بعكس الأجسام المادية لديها القدرة على التوسع و التمدد دون حد ، و يُمكن أن يُفهم من ذلك أن (سعة النفس) هي من مصاديق الخير الذي يهبه الله سبحانه لعباده ، لأنها بذلك تكون قادرة على الحصول على قبول جميع الناس دون حد ، فصاحب النفس الواسعة يقبل كلام الجميع و متى ما شعر الآخرون بأن لكلامهم و لو من باب الاستماع فقط دون التطبيق قدرة على الوصول للآخرين انجذبوا نحوهم.

.
و هذا شيء نلاحظه في حياتنا اليومية ، نقابل عشرات الناس يوميًا و قلة من ننجذب لهم بحديثنا ، و نوّد لو أن كلامنا معهم يطول حتى و إن كنا نعلم بأنه سيظل في خانة الكلام ، مجرد رؤيتنا لمن يقبل الاستماع لنا يفرحنا و يجعلنا نقبله و نجله ، و هذا من أفضل مصاديق "الخير" التي يتمناها كل شخص لنفسه.

.
و من كلماته عليه السلام أيضًا : (إن الظالم الحالم يكاد أن يعفى على ظلمه بحلمه ، و إن المحق السفيه يكاد أن يطفئ نور حقه بسفهه).

.
-
من هذه الكلمات ، يمكن استنباط عدة مفاهيم عالية القدر منها :
أن الظلم و الحلم يمكن أن يكونا موجودين في الإنسان و لا يتعارضان ، و أن سبب عدم ظلم بعض الجبابرة ليس عدم قدرتهم على ذلك و إنما لأن حلمهم أسبق و أسرع ، فنتصورهم عادلين ، و لكن الواقع أنهم إذا انتهى حلمهم أو نفد بان ظلمهم بأجلى صوره و كانت بطشتهم شديدة.

.
في التاريخ هناك شخصيات عديدة نقرأ عنها و عن حلمها و محبة شعوبها لها ، و مع هذا فهي كانت جبارة ظالمة على أعدائها ، و الواقع أنها ظالمة فالظلم لا يمكن أن يُبرر الظالم لعدوه كالظالم لصديقه لا فرق ، و لكنّ أحباؤه ينسون ظلمه لأعدائه بسبب حلمه بهم و هذا مصداق قوله عليه السلام (يكاد أن يعفى على ظلمه بحلمه) فالتاريخ بعد ذلك يذكر حلمه و عدله و يضفيه صفات أقرب للقداسة لأن ما ذُكر عن حلمه غلب ما ذكر عن ظلمه.

.
أما الشطر الثاني من كلمته فتؤدي إلى معنى لطيف و هو أن الحق حتى يصل للآخرين يعتمد على شخصية قائله و المدافع عنه أكثر من أصل (الحق و الحقيقة) ، فكم من قضية حقة كان لها محامٍ فاشل!

.
السفيه الذي لا يستطيع أن يصيغ أفعاله و كلماته بما يناسب الآخرين يولد النفور منه ، فيبتعدون عنه و لا يقبلون منه الحديث ، و أسوأ من نكران الحقيقة هو أن تكون ظاهرة و لا يقربها أحد لأن حاملها ملوث.

.
من يُريد أن يوصل حقيقة ما ، أو يكون ممثلاً عنها ، فقبل حمل رايتها يجب أن يخلص نفسه من كل ما يتعارض معها.

.
و من كلماته أيضًا : (.. و أنّى يوصف الذي تعجز الحواس أن تدركه و الأوهام أن تناله و الخطرات أن تحده و الأبصار عن الإحاطة به نأى في قربه و قرب في نأيه ..).

.
- في هذه الكلمة المقتطعة من سؤال وجهه له أحد الأصحاب عن وصف الله عز و جل ، إشارة عميقة.
الحواس معلومة و هي لكونها تعتمد البرهان و الحس فهي محدودة لذلك تعجز عن الإحاطة بالله عز و جل ، و لكنّ الأوهام هي ما تفرزه مخيلة الإنسان و المخيلة لا تتقيد بقيود العالم المادي المحدود الذي نعيشه ، نحن لا يمكننا أن نطير في الواقع و لكننا نطير بأوهامنا و مخيلاتنا ، و نصنع عوالمًا غير موجودة و نؤلف قصصًا غير مذكورة كل ذلك بقوة (الوهـم و التخيّـل) ، فهي قدرة غير محدودة و تتفوق على الواقع .

.
لذلك كان وصفه بانه على الرغم من قوة هذا (الوهم) فإنه أقل من أن (يناله) أي أن يتوصل حتى إلى بداية كنه الله عز و جل ، فهو تعالى عن الإحاطة به بحواسنا القاصرة و كذلك بعقولنا العاجزة التي طوعت العالم و وقفت قباله - سبحانه - متحيرة.



و من كلماته عليه السلام التي أختم بها هذه المقالة القاصرة عن نورانيّة جواهره المبثوثة قوله في وصيته الأخيرة :


( .. اتقوا الله و كونوا زينًا و لا تكونوا شينًا ، جروا إلينا كل مودة و ادفعوا عنّا كل قبيح ، فإنه ما قيل فينا من حسن فنحن أهله ، و ما قيل فينا من سوء فما نحن كذلك.


لنا حق في كتاب الله و قرابة من رسول الله و تطهير من الله لا يدعيه أحد غيرنا إلا كذاب.


أكثروا ذكر الله و ذكر الموت و تلاوة القرآن و الصلاة على النبي - صلى الله عليه و آله- ، فإن للصلاة على رسول الله عشر حسنات.


احفظوا ما وصيتكم به و أستودعكم الله و أقرأ عليكم السلام. ).


عمامة الإمام الهادي عليه السلام بعد تفجير مرقده الشريف - سامرّاء

22 يونيو، 2009

3: عن إيران تحدثتُ !

الحلقة الاولى : عن إيران أتحدث ..
الحلقة الثانية : عن إيران أتحدث ..
.
القوانين الإجتماعية التي تحكم مسير المجتعات في مجال التغيير تحديدًا هي قوانين عرفية أو نسبية خاضعة لمقاييس معينة تناسب مجتمع ما و لا تناسب مجتمع آخر حتى و إن اشتركوا بالقضية ،كان لجلوس روزا باركس في مقدمة حافلة النقل حافزًا للثورة على معاملة "السود" في الولايات المتحدة بينما تكررت هذه الحادثة عشرات و ربما مئات المرات في جنوب أفريقيا و لم تبلغ مثل الأثر في أمريكا، لأن لكل مجتمعه سماته التي يبني التغيير على أساسها.
.
قبل الإنتخابات الإيرانية كانت الذهنية العامة محكومة بالتغيير ما حدث في الولايات المتحدة ثم ما تبعه في الكويت و في غيرها من الدول كوّن رأيًا عامًا في هذه البلدان بأن "الموضة" هي التغيير لأجل التغيير فقط، الكثيرون قاسوا واقعهم على إيران و هذا أول الأخطاء.
.
ثاني الأخطاء أن حملة موسوي الإنتخابية بدأت مبكرة و ركز الإعلام الإيراني و العربي و الغربي أنظاره عليها لكونه العائد من التاريخ و المحسوب على الإصلاحيين و المدعوم من قبل رئيسين سابقين للجمهورية، بدأ موسوي حملته باحتكار اللون الأخضر و بدأت وسائل الإعلام تزيد من تركيزها عليه و على برنامجه الإنتخابي و الاهم من ذلك كله التركيز على هجومه الشديد على (نجاد) غير المرغوب به (غربيًا)، أعطى الإعلام زخمًا مبالغاً به لتيّار موسوي!
.
لقد وظفت وسائل الإعلام المعارضة في الخارج و الغربية دعايات موسوي من باب (لا حبًا بعلي و لكن كرهًا بمعاوية) ،فكلاهما ثوريين و كلاهما مرشحين لرئاسة دولة مصنفة بمحور الشر،و هذا ما تحدثت عنه في الجزء السابق عن كونه الوجه الذي استخدمه المعارضون لمعارضة النظام من (داخله).
.
هذا ناهيك عن الميزانية الضخمة التي رصدها الإصلاحيون للدعاية الإنتخابية بحيث أصبح الإعلام أخضرًا، و في الحقيقة فإن إبراز موسوي كان بسبب أن معظم الناخبين في إيران هم من فئة الشباب (التصويت في الإنتخابات للبالغين 18 سنة) الذين لم يعاصروا الثمانينات و أحداثها و لم يعرفوا موسوي سوى على أنه وجه من الثورة يعارض نجاد "المحافظ"!.
بينما حملة نجاد الإنتخابية بدأت قبل الإنتخابات بأسبوعين و معظمها كانت من المتطوعين لذلك شكل نجاحه صدمة لمن حكم بحتمية التغيير دون أن يلتفت إلى أن أسباب التغيير غير متوافرة و ليس هناك حاجة ماسة له.
.
. لماذا فاز نجاد ؟
.
لا أعتقد أن هذا السؤال يشكل صعوبة حين الإجابة عليه ،فاز نجاد لانه قدم ما يوفر له الفوز في فترة رئاسته الاولى،قام نجاد بتوفير الضمان الصحي لمئالات الآلاف من النسوة العاملات في مجال الحياكة و النسيج (السجاد) و حدّث القطاع الصناعي بقفزات مذهلة و قام بإحياء برنامج الفضاء الإيراني مما أسفر عن إطلاق أول قمر صناعي مصنع بالكامل في إيران عن طريق محطة فضاء داخل الأراضي الإيرانية و على الصعيد العسكري كان مجال التصنيع العسكري يمضي قدمًا بخطوات ثابتة و الاهم من ذلك كله أن نجاد استطاع أن يحول البرنامج النووي الإيراني من وضع "الإيقاف" الذي قام به خاتمي إلى الإستمرار و انتزع الإعتراف الدولي به دون أي شرط من القوى العالمية، و رغم الإنتقاد اليومي الشديد له بسبب سياسته الخارجية على صدر الجرائد الإيرانية فإن حريّة الصحافة المحلية هناك شهدت ارتفاعًا بسقفها تعدى بكثير عهد سلفه السيد خاتمي.
.
هذا لا يعني أنه لم يرتكب أخطاءً أو كان مثاليًا ،فسياسة التخصيص التي قام بها و إن أدت إلى انخفاض كبير في معدل البيروقراطية الحكومية و لكنها قادت إلى تضخم في الإقتصاد الإيراني، و سياسته الخارجية و ما تبعها من فرض قيود اقتصادية على إيران أثرت بشكل واضح على الطبقات العُليا من الميسورين و إن لم يشعر بها الفقراء لارتفاع مداخيلهم و استهداف خطته الإقتصادية لهم بشكل رئيسي و المجال لا يسع للتفصيل هنا أكثر.
.
هذا كله بالإضافة إلى تواضعه و نظافة يده و ما سنه أثناء استلام رئاسته في الدورة الأولى من تخصيصه كل شهر لزيارة مدينة في إيران للوقوف على متطلباتها أعطاه دعمًا كبيرًا بين فئات الشعب،خصوصًا أولئك الذين استشعروا قربه منهم.
لم يكن فوزه يُشكل مفاجأة للمطلعين على أحوال إيران أو مستقرئيها، و لكن شكل مفاجأة لمن تعلق بوهم التغيير فقط.

.
. المظـاهرات
.
"إذا كانت النخب السياسية تريد أن تخترق القانون، فإنهم مسؤولون عن الفوضى والدماء التي قد تراق في هذه العمليات الفوضوية" – السيد الخامنئي.
.
شكل إعلان مير حسين موسوي فوزه بالإنتخابات قبل أن تغلق الصناديق و دون أي مستند رسمي أو إعلان محايد صدمة في الإنتخابات الماضية،و أعتقد اليوم أن هذه المظاهرات لم تكن عفوية إنما كانت معدة مسبقًا كخطة بديلة في حال خسارة موسوي المتوقعة كان هناك أمل بأن تنتقل الإنتخابات للمرحلة الثانية و منها يمكن حصر الأصوات جميعها بموسوي على حساب نجاد و لكن هذا ما لم يحدث،و هذا يذكرني بأول مناظرة من المناظرات الرئاسية حين استهل نجاد كلامه بالحديث عن بعض الشخصيات مشبهًا ما يجري بـ"حرب الجمل"،فكان تعبيرًا موحيًا باستقراء ما يُحاك لما بعد الإنتخابات.
.
لا توجد إنتخابات في العالم لا تشوبها بعض الشوائب، في جميع ديمقراطيات و إنتخابات العالم هناك أخطاء و هنّات و لكنها تُقاس بالمظهر العام لا بالشواذ،و هناك مؤسسات لها الحكم الفصل طالما أن هؤلاء رضوا بها في المقام الأول،دعوى التزوير لا تستقيم مع الأرقام المليونية التي ظهرت،فارق 11 مليون صوت ليس كفارق 100 ألف صوت أو مليون صوت حتى يمكن تزويره،و في ظل غياب أي مستند يدعم هذا الإدعاء و في ظل العجز التام عن إثباته لا يمكن فهم ما يحدث إلا على أن هذه المظاهرات ليست سوى وسيلة في صراع التيّارات لا أكثر، و أن هؤلاء لا يهتمون بالقانون الذي يدّعون الحفاظ عليه، طالما أنهم آثروا الإبتعاد عن المسالك القانونية و الإكتفاء بإشعال فتيل الاضطرابات التي استغلها من يتحينون الفرص.
.
تخلف موسوي و كروبي عن حضور جلسة مجلس صيانة الدستور ،و لم يقدما طعونهم أو اثباتاتهم في نتيجة الإنتخابات بل لجؤوا للشوارع لإلغاء نتيجة الإنتخابات و تخلفوا أيضًا عن حضور صلاة الجمعة التي أمّها المرشد في طهران و هذا يؤيده ما ذكره السيد الخامنئي في خطبته: (المنافسة بين المرشحين الأربعة كانت بين أشخاص وتيارات تؤمن كلها بالحكم الإسلامي،المرشحون من قادة ورجالات النظام. وبالقطع هناك خلافات بينهم. لم تكن المنافسة بينهم منافسة بين الداخل والخارج، بل في إطار النظام.).
.
تزوير الإنتخابات لصالح "نجاد" هو إدعاء مضحك لكونه يخوض هذه الدورة الرئاسية كخاتمة له فهو بنص الدستور لا يستطيع أن يترشح في الإنتخابات القادمة لهذا المنصب، من يعتقد أن يمكن المجازفة بإنجازات الثورة لأجل شخصية أو شخصيتين هو واهم،تعرض رموز الثورة للإغتيال و التصفية،و شنت عليها حرب دموية لعقد من الزمان و انشق عنها بعض من كانوا فيها و اختفى آخرون و مع هذا استمرت دون الحاجة للتزوير و هي - الثورة - من أعطت الرئاسة لخاتمي و قبله رفسنجاني و سلمت رئاسة مجلس الشورى لكروبي فمثل هذه الإدعاءات تعود لقائليها قبل أن تمس غيرهم.
.
مع هذا هناك نقطتان مهمتان أولاً: لا يمكن أبدًا تبرير الدماء المسفوكة ،هذه الدماء مهما كانت فهي محترمة أما ثانيًا: فهو أن التظاهر حق شعبي لا جدال فيه و لكن هناك فرق بين المظاهرة و الشغب ما يحدث في إيران الآن هو شغب استعمل كأداة ضغط ،ما لم تذكره وسائل الإعلام أن معظم القتلى سقطوا أثناء هجومهم على مقرات الشرطة و البسيج.
.
برأيي أن الإعلام الإيراني الرسمي تعامل بشفافية كبيرة مع الأحداث و أثبت مصداقية في قبال وسائل الإعلام الأخرى خصوصًا الغربية منها فهو اعترف بالقتلى و نقل صور ما يحدث هناك ،و أن أنصار نجاد لازالوا بعيدين عن ردة الفعل في الشوارع، رغم أن الإضطرابات حاليًا أصبحت حركة تستهدف المساجد و المحال و قوات الشرطة و المدنيين و ليست مظاهرات سلمية احتجاجية على نتائج الإنتخابات، و هذا ما دفع السيد الخاتمي إلى التبرء من هذه الأفعال بالأمس.
.
استمرار التصاعد في التجاذب السياسي يثبت أن الصراع و إن كان لازال في إطار النظام (و هو ما أكده موسوي بالأمس) و ليس خارجه، إلا أنه صعّد مصلحة التيار السياسي على مصلحة إيران الدولة،و أن الأوان قد حان لقطع أرجل الجمل.
.
انتهى.


20 يونيو، 2009

2: عن إيران أتحدث ..


الحلقة الأولى : عن إيران أتحدث ..


في الثمانينات أيّد الإمام الخميني رحمه الله تشكيل الجبهتين "روحانيت و روحانيون مبارز " فقد كان يؤمن بأن الإختلاف واقع و طبيعي و لكن من الضروري أن يتم تأطيره في إطار (الجمهورية الإسلامية) حتى لا يصبح ذراعًا تفتت الدولة من الداخل،كانت رؤيته بأنه يمكن لجبهتين مختلفتين تقومان على أساس الإيمان بـ(السياسة الدينية) كأصل لهما أن يستوعبا كافة وجهات النظر الأخرى،كما أن الحزبين الجمهوري و الديمقراطي أو العمال و المحافظون يحتوون كافة الآراء و إن كانت تتباين مع زعامات الأحزاب أحيانًا إلا أنه يجمعهم كلهم (الخطاب الوطني)،هكذا استطاعت إيران أن تتجنب الكثير من عقبات "الإختلاف" الشديد بين السياسيين.
.
يشكل الإصلاحيون حاليًا جبهة (2خرداد) و هي تكتل سياسي ينضوي تحته العديد من التكتلات الأخرى ذات الصبغة الإسلامية أو الليبرالية من يؤمن بالنظام الإسلامي و من لا يراه بتاتًا، و على الطرف الآخر يشكل المحافظون تباينًا فيما بينهم أيضًا فهناك من يرى فيهم أن منصب ولاية الفقيه (المرشد) لا يجب أن يكون بالإنتخاب عن طريق مجلس الخبراء كما هو حاصل الآن بل يذهبون إلى أن جميع المناصب القيادية في الدولة يجب أن تكون بالتعيين من قِبله،فالفقيه أعلى سلطة في الدولة.
ما بين هؤلاء و هؤلاء تحدث التجاذبات السياسية على الساحة الإيرانية،و تظهر بأبهى صورها في الإنتخابات البرلمانية و الرئاسية.
.
الدستور الإيراني يصرّح بأنه لا يجوز للرئيس الترشح لثلاث دورات رئاسية متواصلة، بمعنى أن التغيير لابد و أن يحدث بعد دورة أو دورتين بحد أقصى و بعده لا يجوز له أن يرشح نفسه إلا بعد دورة رئاسية يتولاها غيره، و هذا ما حدث مع الشيخ رفسنجاني الذي انتهت ولايته الثانية عام 1997 و لم يستطع ترشيح نفسه إلا في الإنتخابات ما قبل الماضية حين وصل إلى المرحلة الثانية لينهزم أمام خصمه الدكتور محمود أحمدي نجاد.
.
.رفسنجاني و نجاد
.
يُعتبر الشيخ رفسنجاني من أعمدة الثورة و رموزها في إيران ، و أدواره و تأثيره السياسي لا يخفى على كل مطلع، و لكن ما يتميز به رفسنجاني عن أقرانه في الثورة أنه ولد لعائلة غنية فهو أحد أبناء الطبقة الإرستقراطية و هذا ما أضفى على سلوكه "براغماتية" على عكس أقرانه الذين آثروا الإلتزام بمسطرة السياسة (الإسلامية)،و لهذا السبب لا يصنف رفسنجاني على أنه من المحافظين و لا من الإصلاحيين بل هو رجل بذاته، اصطدم مع جنرالات حرس الثورة أثناء حرب (الدفاع المقدس)* و أعاد اصطدامه في ولايته الرئاسية الأولى عندما طرح ضرورة التخلي عن شعار الموت لأمريكا، و مواقفه بهذا الخصوص كثيرة، فهو يمتلك منهج قائم على قياس المصالح بعكس المحافظين الذين يتميزون بالوضوح التام في سياستهم، هذه العوامل حفرت في وجدان الطبقات الفقيرة في إيران أن رفسنجاني ليس سوى وجه آخر للإصلاحيين الذين يضعون الفقراء في آخر اهتماماتهم، و بما أن خصمه نجاد ابن الحداد الفقير و الجندي البسيط و أستاذ الجامعة العصامي فلم يشكل فوزه أمرًا غريبًا في انتخاباتٍ صوتُ المستضعفين فيها هو الأقوى.
.
.المناظرات الرئاسية
.
في الإنتخابات الأخيرة حدث أمر جديد و هو المناظرات الرئاسية التي بثت مباشرة في التلفزيون الوطني بين المرشحين لمنصب الرئاسة، هذه المناظرات بإعتقادي لم ينجح فيها إلا نجاد ليثبت مجددًا أن خلف مظهره البسيط ثعلب سياسي ماكر جدًا تغلب على خصومه بضربات قليلة.
.
منذ افتراق الشيخ كروبي عن الإصلاحيين و تشكيله لحزب (اعتماد ملي) فإن شعبيته لم تعد كما كانت، أما الدكتور رضائي فهو أستاذ بالإقتصاد و لكنه رجل عسكري محسوب على المحافظين اليساريين إن صح التعبير و إن كان برنامجه الإنتخابي لا يختلف كثيرًا عن موسوي و كروبي.
.
أما مير حسين موسوي فهي الشخصية التي تعلق بها بشكل رئيسي ** من يعارض النظام من (داخل النظام) ، و هنا أعود لأول فقرة عن التحرك من داخل التيارين، جماهير الثورة و من قامت على أكتافهم لم تكن بالأساس جماهير المدن الكبيرة أو الطبقات المرفهة فيها إنما كانت طبقات الفقراء و المحرومين في القرى و الأرياف و الجبال و المدن الصغيرة، نجاح خاتمي لدورتين رئاسيتين و قبله رفسنجاني لمثلهم كان يعتمد على أصوات أولئك الذين لا يجدون حرجًا في معارضة النظام و يعارضونه من خلال إيصال أقطاب (المعارضة) قبال المحافظين و هؤلاء هم الطبقات العُليا من الطبقة المتوسطة و المرفهين و الأغنياء و النخب الثقافية، هؤلاء فيهم من يُعارض النظام و لكن تحت ستار تأييد شخص من النظام.
.
موسوي اعتمد في حملاته الإنتخابية على زوجته في التصريحات الصحافية و على خطب السيد محمد خاتمي في لقاءاته الجماهيرية و على مقالات عطاء الله مهاجراني و السيد محمد علي أبطحي و ماشاء الله شمس الواعظين و غيرهم من رموز 2خرداد، نادرًا ما كان يخطب أو يصرّح بلسانه هو، و هذا الشيء جعل من السهل على نجاد أن ينهيه في المناظرة الأولى، و ظهر عجز موسوي عن متابعة نجاد واضحًا فيها.
.
نجاد استطاع أن يصطاد بحجر واحد عدة عصافير، في هذه الإنتخابات ألقى هاشمي رفسنجاني ثقله كله خلف موسوي ، لذلك في أول مناظرة وصمه نجاد بأنه دمية في يد رفسنجاني ثم بدأ بانتقاد رفسنجاني و سياسته، بهذه الضربة الإستباقية ضمن نجاد "تحييد" رفسنجاني رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام فهو أصبح خصمًا مباشرًا لنجاد كما كان في الإنتخابات الماضية و بالتالي لم يعد تدخل رفسنجاني بصفته الحالية مسموحًا بأي طريقة ضد نجاد لأنه سينطلق من باب الانتصار للذات على حقيقة الإنتصار لمبادئ الثورة و هذا هو سبب رسالة رفسنجاني التي وجهها للسيد الخامنئي.
هكذا استطاع نجاد أن يستفرد بالمرشحين الواحد تلو الآخر بعض أن فصلهم عن التأثير المضاد لـ(القوى الداعمة) لهم.
.
.نجاد و موسوي و الإصلاحيون
.
طوال المناظرات و الإنتخابات لم يستطع أحد المرشحين أن يطعن بذمة نجاد،فهو و وزراؤه كلهم قدموا ذممهم المالية، لذلك تركز الهجوم على وصف سياسته الخارجية بـ(الإهانة) لإيران على حد تعبير موسوي، بينما وصفها رضائي بأنها (عبثية) و لم يختلف عنهما كروبي، فالانتقادات كلها توجهت لسياسته على حساب شخصه، و هو ما استطاع نجاد أن يستفيد منه في توجيه اتهاماته لـ(مافيا الفساد) التي اتهمها بدعم خصومه و تعهد بالاستمرار في محاربتها كما فعل طوال فترة رئاسته الاولى، الفساد الذي اعترف السيد الخامنئي بوجوده في خطبته بالأمس، و تعهد بالاستمرار في محاربتها.
نقل نجاد ما يدور بين عموم الشعب في محلاتهم و نطق به أمام مرشحي الرئاسة هكذا نال زخمًا أضاف لرصيده الشعبي الكثير.
.
في أثناء استلام الإصلاحيين للرئاسة في عهد الرئيس خاتمي استطاع أن يجعل لإيران موضوع قبول مجددًا في الساحة الدولية، و لكن على الصعيد الداخلي شهدت إيران تراجعًا اقتصاديًا في الإستثمارات و توقفت التنمية الصناعية، و وصل السيد الخاتمي إلى إيقاف البرنامج النووي لمدة سنتين طمعًا بفتح قنوات جديدة مع الولايات المتحدة، و على الرغم من الحريات التي تم افساح المجال لها فقد فتحت محلات الأغاني في عهده و اختفت الشرطة الدينية من الشوارع و لكن هذا كله لم يشفع له أمام أنصاره و خيبتهم من نتائج الدورتين الرئاسيتين له.
.
لم تكن هناك برامج تناولت شؤون الفقراء أو رفع المستوى المعيشي كان الإهتمام الأكبر منصبًا على السياسة الخارجية و على الصراع (الإصلاحي – المحافظ) في إيران و ضاع الشعب في أتونها.

.
يـتـبـع إن شاء الله ..


- لماذا نجح نجاد ؟

- المظاهرات .. كيف أراها؟
و غيرها.
_____________________
* (حرب الدفاع المقدس) هو الإسم الرسمي للحرب العراقية - الإيرانية ، المستعمل في الجمهورية.
** لا أعمم هنا فالسيد حسين الموسوي يُعتبر من الذين أسهموا في صياغة (الجمهورية) كما هي الآن، و أحد الذين أحدثوا علامات فارقة بها، و كونه شخصية عامة يحتم أن ينجذب إليه المعارض و الموافق كلٌ بحسب مصلحته و رؤيته.

18 يونيو، 2009

1: عن إيران أتحدث ..


في أثناء حرب المظاهرات في بيروت برزت جملة (صغـّر الزووم أد ما بدك ، و كبر الزووم أد ما بدك ) لأن كل طرف كان يشير إلى ضخامة جماهيره و كل إعلام يصور تلك الحشود من الزاوية التي يبرز بها هذا الإدعاء ، و لكن فاتهم أن الإعلام ينقل عبر كاميرا تعطي زاوية واحدة إما تضخم و إما تصغر بحسب طريقة إلتقاط الزاوية.

.
ما يحدث في إيران اليوم أعاد لذاكرتي هذه الجملة ، فحمّى المظاهرات و الإندفاع الأعمى في الوقوف مع طرف ضد آخر و تصوير هذه المظاهرات على أنها نهاية للثورة و نقل صورها لا يختلف كثيرًا عن ذلك المصور الذي يجعل زووم الكاميرا على بضعة أفراد متراصصين ليكتب تحتهم "مئات الآلاف يتظاهرون" ؛ الواقع الإيراني ليس في مناطق شمال طهران و لا في ميدان "ولي عصر" و لا في ساحة "آزادي" ، الواقع الإيراني موجود خارج تلك البقع في مدن الأرياف حيث يقبع معظم الشعب ، هناك يمكن أن يُفهم الذي يجري..

.
. إيران بعد الثورة

قبل الثورة الإسلامية كانت معظم القوى السياسية و الفكرية تشارك في مناهضة نظام الشاه ، النظام الدموي الشمولي الذي جابه في أقل من خمسين سنة أربع محاولات انقلاب (شعبية) نجح منها اثنتان الأولى انقلاب مصدق الذي أطاح به الـCIA و الثاني الثورة الإسلامية التي أتت بنظام الجمهورية الإسلامية بعد استفتاء سنة 1980.

.
هذه الثورة لم تنطلق من طهران أو من أصفهان بل انطلقت من قرى جنوب طهران المناطق المدقعة بالفقر (مسقط رأس نجاد)، و كانت شرارتها انطلقت من عبادان مدن تعد مقارنة بالحواضر في ذلك الزمن على هامش الدولة و بلا تأثير و لكن ما نتصوره عديم التأثير يكون هو عامل التغيير غالبًا.

.
حينما أتت الثورة لم يكن على الساحة من يملك مشروعًا و تصورًا لماهيّة الدولة سوى اثنين حزب توده (الشيوعي) و حزب الجمهورية (الإسلامي) و اضطر الباقون إلى المشاركة في مشروع أحد هذين الحزبين قبل أن ينتهي الحزب الشيوعي في إيران بعد سنة 80[1].

.
كان المثقفون و النخب الفكرية في إيران باستثناء القوميين و الشيوعيين ما بين تيارين رئيسين تيار حداثي ليبرالي/علماني و تيار ديني أصولي كان الاول يتزعمه الراحل المهندس مهدي بازرڰان إلى جانب أبو الحسن بني صدر و غيرهم و التيار الثاني كان زعماؤه الشهيد رجائي (ثاني رئيس للجمهورية) و الشهيد باهنر و غيرهم.

.
حين أتى وقت التطبيق انضوى هذين التيارين تحت مسمى الجمهورية لتشكيل جبهتين (روحانيون مبارز) التي تمثل الإصلاحيين في هذا الوقت و (روحانيت مبارز) و تمثل المحافظين في التسمية الجديدة ، تيّار الروحانيون و إن كان مؤمنًا بنظام الجمهورية و مقرًا لنظام ولاية الفقيه الذي يمثل إحدى نظريات الحكم الشيعية و طرحه الإمام الخميني رحمه الله كأسلوب حكم في كتابه (الحكومة الإسلامية) إلا أنهم كانوا يسعون إلى هامش أكبر من "الدولة المدنية" على حساب الدولة الدينية التي يطرحها المحافظون و إن كان فيه الآن من يعترض على أصل الحكومة الإسلامية برمتها و يدعو لدولة علمانية بحتة ، و أبرز مفكريهم هو الشهيد شريعتي[2] الذي خالف والده الشيخ محمد تقي شريعتي و أستاذه الشهيد مطهري في كثير من رؤاهم لدرجة أن الشهيد مطهري (كما في كتاب الإمامة –مثلاً-) يرد على بعض أفكاره بتلميح هو أشبه بالتصريح! إلى جانب خلافه الكبير مع الكثير من علماء الحوزة في قم المقدسة و غيرها و هو شيء اعترف به في رسالته التي بعثها قبيل اغتياله بل و وصل به الأمر للطلب من الشهيد مطهري أن يصوب بعض كتبه و لكنه اغتيل بعده بفترة زمنية يسيرة.

.
كان شريعتي و بازرڰان من محركي الثورة الكبار في إيران و رغم أن الثاني يُعد من رموز الليبراليين في عهد الشاه إلا أنه شارك بفعالية في حكومة الثورة قبل أن ينسحب من الساحة بعد أن انتهت فترة رئاسته للوزراء في عهد الحكومة الإنتقالية، و لكن أثرهم لازال باقيًا في إيران من خلال التيار الإصلاحي الذي يستلهم رؤاهم في معالجة القضايا و إن كان تيارهم مغلفًا بالغلاف الديني.
.
. إيران وقت الإنتخابات

مير حسين موسوي كان رئيس الوزراء في عهد رئاسة السيد علي الخامنئي مرشد الثورة الحالي أثناء الحرب العراقية –الإيرانية ، كان السيد الخامنئي من المحسوبين على "روحانيت مبارز" بينما كان موسوي من المحسوبين على تيار اليسار "روحانيون مبارز" إلا أن وجود الإمام الخميني رحمه الله في ذلك الوقت و ظروف الحرب لم تسمح لظهور الخلاف و التباين كما هو بصورته الحالية .

لا أعتقد أن هناك من يختلف على عقلية موسوي الاقتصادية التي أخرجت إيران من حرب استمرت لثمان سنوات دون أن تكون مدينة بدولار واحد لأي طرف كان، و لكن أعتقد بوجود الكثيرين الذين يجهلون "نكهته السياسية".

.
و هذا يؤيده بُعده عن الساحة و ضعف مناورته السياسية منذ انتهاء الحرب قبل عشرين سنة، الفضل الأكبر في ذلك الوقت سياسيًا كان يعود لرفسنجاني و السيد الخامنئي اللذان قادا العملية السياسية بأكملها على الرغم من تباين (الوجهتين) بينهما، لذلك عندما أتى الشيخ مهدي كروبي في الإنتخابات الماضيةو هو يرجوه أن يرشح نفسه رفض موسوي هذا الأمر فاضطر التيّار أن يرشح كروبي لتبرئة الذمة إن صح التعبير و يدعم رفسنجاني أحد رموز الثورة و رئيس سابق للجمهورية و صاحب ثقل يعادل ثقل المرشد معنويًا هناك إلا أن هزيمته أمام نجاد دقت جرس الإنذار على هبوط التيار الإصلاحي الذي توالى ليشهد في السنوات الأخيرة أسوء أعوامه بعد أن انحسر عدد ممثليه في البرلمان.

.
كانت المعركة الإنتخابية الأخيرة معركة كسر عظم بين تيارات و ليست بين شخوص في المقام الأول ، و أثبتت المناظرات التلفزيونية بين المرشحين أن نجاد استطاع أن يناور خصومه و يوجه لهم ضربات قاضية حولتهم من خانة الهجوم إلى خانة الدفاع المستميت ، كانت محاولة تحجيمه قائمة على قدم و ساق قبل بداية حملته الرسمية التي بدأت متأخرة (قبل الإنتخابات بأسبوعين) و كونه محسوبًا على المحافظين و أسقط أحد رموز الثورة في الإنتخابات الماضية فقد كان رأسه مطلوبًا عند النخب الإيرانية الذين أصبحوا اليوم تلقائيًا في التيار الإصلاحي (النخبوي) على عكس تيار المحافظين الذي يحظى بالقبول الشعبي أكثر.


يـتبــع إن شاء الله ..

ملاحظة : غدًا سُتقام صلاة الجمعة في طهران بإمامة السيد الخامنئي مرشد الثورة الإسلامية، من المتوقع أن تضع الخطبة الكثير من النقاط على الحروف ، لذلك سأؤجل الحلقة الثانية لما بعدها .


____________________________
[1] كانت الشرطة السرية (السافاك) في عهد الشاه تعتقل و تعذب و تعدم الكثيرين من المحسوبين على المعارضين لنظام الشاه،و أثناء اعتقال الشهيد السيد عبدالحسين دستغيب حُبس في زنزانة انفرادية مع أحد أعضاء حزب توده و كان شيوعيًا ملحدًا نكاية به!


[2] في الخطاب الأخير قبيل الإنتخابات لمير حسين موسوي كانت هناك صورة جدارية ضخمة لـ د. علي شريعتي شكلت إحدى الخلفيات لمير حسين !

12 يونيو، 2009

لمّـا باقـوا نعـالـي


هذه الدنيا غريبة بمقدار التشابه الهائل بين مكوناتها،تمتلك وجوهًا و وجودات كثيرة لكنها في الحقيقة واحدة، العرفانيون يقولون بأن (الواحد لا يصدر منه إلا واحد) قاعدة أشعلت حربًا بين العلماء بين من يؤمن فيها و بين من وصل به التطرف لتكفير القائل بها،أنا شخصيًا يهمني أحد مصاديقها و هو أن في كل شيء وُجد أو تواجد أو يوجد الآن دليل و مفتاح على أن صانعه هو (واحـد) سبحانه.
.
في وصيته لهشام يقول الكاظم عليه السلام : إن لله على الناس حجتين حجّة ظاهرة وحجة باطنة ... وأما الباطنة فالعقول[1] .
على أساس هذه الرواية العظيمة يكون لكل شيء وجودان وجود ظاهري نراه و نتعامل معه كما هو و يُمثل الحجة الظاهرة و وجود باطني مختبئ لا نلتفت له إلا نادرًا و هو الحجة الباطنة التي عُرفت بالعقل ، ،وجود يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنّه مهما اختلفت صورنا فنحن حين نتأمل جوهرنا نجده واحد ،القرد في الغابون الذي يأكل من شجرة تُسقى بماء المطر لا يختلف في دافعه لهذا الفعل عن الجالس في مطعم ماكسيم يأكل أرجل الضفادع بإحدى ضواحي باريس، المغزى و الفعل واحد و إن اختلف الاتيكيت و البرستيج و الديكور، فعلهما واحد و هو مجرد فعل غرائزي تهذب الثاني في فعله بسبب ما تفرضه الأحكام العقلائـية عليه.
.
قبل عدة أسابيع دعيت للعشاء قررت أن أصلي المغرب في المسجد لانطلق بعدها للموعد، وصلت و وضعت نعالي- أجلكم الله- على الرف خارج المسجد ،كان النعال جديدًا و غاليًا و دخلت للصلاة حين انتهيت قابلت عند باب الخروج أحد أصدقائي الأعزاء ممن رافقني بمشوار الدراسة التعيس أخذتنا الأحاديث لأخرج بعدها وأجد أن نعالي اختفى و وُضع مكانه نعال آخر قديم و متهالك لا يصلح لأن يُلمس فما بالكم بأن يُلبس !
.
هكذا يتراءى الباطن لي، على الرغم من أن العلم لا يفصح الكثير عن هويّة الإنسان إلا أنّ التأمل بباقي المخلوقات و الأحداث التي تجري عليها سيعطيك رؤية أشد اتساعًا لحقيقته أو على الأقل سيقودك من خلال ربط القرائن إلى فهم أفضل لأفعاله و تصرفاته و ما يقوم به ، لا بد و أن يوجد له شبيه في الأشياء الموجودة بهذه الدنيا هذه التشبيهات تثبت أنّ كل التعدد الموجود في العالم يتناغم و يتوافق ليُثبت أنه من مصدر واحد حتى الحوادث التي تمر علينا و نخوض غمارها تملك في تفاصيلها ما يمكن تفسير الكثير مما يمر علينا بها.
.
لا يفصل باب ساحة الصلاة عن السور الخارجي للمسجد إلا عدة خطوات، خطوات قليلة تحدد لنا الفارق بين (البـشر) ، تحدده بصورة يُمكن تعميمها على كل الحوادث الأخرى، في الوقت الذي يدخل به المتطهرون ليُصلوا يأتي الآخرون لنفس المكان و لكن لـ'يسرقوا' النعـل!
عجيب أن يرى الشخص أمامه محلاً للتقديس فيفضل أن يستهلك طاقته في التدنيس، أن يترك الفضيلة ليمارس الرذيلة ، كلها اصطلاحات لا مشاحة فيها في توصيف الحال.
.
لا أكتب حزنًا على نعالي الذي لم أتهنى به ، و لكن أكتب لأنني أرى أن الموقف مشابه جدًا للكثير مما يجري حولنا و يفسره بأفضل طريقة، في السياسة و في الإجتماع و في المنزل و في العمل و في قاعات الدراسة و في أي مكان يجتمع به الناس كلها أماكن تتوافر و تختلط بها المناهج و التيارات و المسالك بحسب الموجودين بها فيها الطيب و الرديء و فيها الحسن و القبيح و غيرهم رؤيتنا هي التي تحدد ما الذي نريد استلهامه منهم؟
.
دائمًا ما نوضع أمام خيارين أمام شيئين حين نتخذ قراراتنا ، كما كان هذا "المستعير" أمام شيئين أن يستفيد من محضره ليُصلي أو ليسرق هكذا نحن نملك الخيار بين الجيد و السيء في أحيانٍ كثيرة نختار السيء لأننا نحكم عليه بالظاهر ،و ظاهر الأمر أن المصلحة فيه أكبر ،الذي يصلي لا يرى ثواب عمله بل 'يرجوه' و الرجاء ليس مثل الاستحواذ ،هذا "المستعير" رأى استفادته من "النعال" استحواذ بينما الصلاة عنده كانت "رجاء للثواب" فقط، غياب الجوهر الباطني عنده و عدم احساسه به دفعه لمثل هذا العمل ،قد لا نسرق النعل من عند المساجد و لكننا [كـ بشر] نقارب باختياراتنا في حياتنا اليومية هذا الفعل كثيرًا.
.
الكثيرون يعيبون على سارقي النعل من أمام المساجد ،ولكنهم يغمضون العين عمّن يسرق (حقائق الإنسانية) من البشر على الأرض، لم أعد أتعجب و أنا أرى يوميًا تناقضات كثيرة بالمواقف و الكلمات تعيب على طرف و هي ترتمي بأحضان طرف آخر و لا ترى نفسها كيف تقع بتناقض صارخ بين ما تمارسه و ما تدعو إليه، في كل المجالات :السياسة و الإجتماع و الأدب و الفن.
.
من يُـنـّظر للحريّة أو الكرامة و حين الإختبار يدوس عليها و يطبّل لمن هو ضدها ،و من يعيب على غيره مسألة الشرف و الطهارة ثم ينقلب عليها و يختار أبعد الناس عنها ، و من يدعي الإستقامة و هو لا يعرفها ، و من يدعي الديمقراطية و هو 'فرعون' مصغر ،و من يحلم بالمساواة ثم يكرس التفرقة و غيرهم- ما شئت فعبّر- أولئك كلهم كمن يصل إلى باب المسجد ليسرق نعالاً ،هؤلاء اقتربوا من هذه المعاني السامية (الحرية/الكرامة/المساواة/العدالة/الموضوعية..إلخ) و لكنهم فشلوا في معرفة كنهها ، مثل هذا السارق الذي وصل للمسجد و اتجه للسرقة!
.
سقطوا بالإختبار ، وقعوا بالتناقض ، و مارسوا أقصى درجات التلون ،لمـاذا؟
.
لأنهم (خافـوا) من الإفتراض .. خافوا من افتراض تحقق هذه الشعارات لأنهم يجهلونها و لا يعرفون التعامل معها،خوفهم قادهم .. لا يقينهم لا فكرهم لا مبدأهم لا إيمانهم ، كالسارق .. مُسلم يصل إلى باب المسجد لكنه يخاف من الفقر و بدلاً من أن يسأل الرازق سبحانه الذي يؤمن به قاده خوفه إلى تجاوزه ليضمن عشاء ليلته بسرقته لـ "نعال" –أجلكم الله-!
.
في الغابات الضباع و الأسود يأكلون اللحوم ظاهريًا و لكن الأسود يمثلون معنى القوة و الضباع مصداق للخسة ،لأن الأسود لا تأكل الميتة بينما تبحث عنها الضباع، أن تموت جوعًا في الغابات عند الأسود هو أفضل من أن تتخلى عن طبيعتها و كينونتها لتشابه الضباع، مَلكت الأسود الغابات بسبب هذا الشيء لا غيره.
.
فضلت الرجوع للمنزل حافيًا على أن آخذ النعال المهترئ فربما كان هو مسروقًا بدوره، هكذا تعلمت أن الشيء إذا كان في محل الشبهة فتركه أولى ، و أن من أدخل نفسه في موضع الشبهة فلا يلومن من أساء به الظن ، و أن المبدأ لا يتجزأ و الحقيقة لا تنقسم و الطهارة لا تتحول ، أرجع حافيًا و أتأخر على موعدي أفضل عندي من أن أدّعي إلتزامًا بمبدأ أمام الناس و أنا في واقعي أنقضه 'باستعمال' فضلة السارق المهترئة بحجة أن الواقع يرغمني على ذلك ..
.
أنا من أرغم الواقع ، لا هو من يرغمني !


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] وصية الإمام الكاظم عليه السلام لهشام بن الحكم ( اضغط )

7 يونيو، 2009

[ صـور ] - متحف الفن الإسلامي

فضلاً انتظر حتى تظهر كل الصور.


في السفرة الأخيرة قمت بزيارة خاطفة لمتحف الفن الإسلامي في العاصمة القطرية - الدوحة.
المتحف قطعًا يستحق الزيارة بسبب ما فيه من كنوز و جواهر فنيّة إسلامية نفيسة ، هذا إلى جانب معماره الرائع و توسطه لمياه الخليج التي تحيط به من كل جانب.
المعروضات في المتحف كثيرة جدًا ( صورتُ أكثر من 180 صورة ، و هذا المعروض جزء قليل جدًا منها ) ، و تمتد المعروضات على مدار طابقين كبيرين ، يحتوي كل طابق على عدة أقسام تتناول جانبًا معينًا من التاريخ الإسلامي و تتناول جزءًا محددًا من المعروضات .



أنا شخصيًا أعجبت كثيرًا بالمخطوطات و الكتب النفيسة الموجودة فيه ، بينما الذي كان معي ( مهندس ) 'بط' راسي بحديثه المتواصل عن الإبداع في الأعمدة و نقوش السجادات الموجودة! .. و يبدو أنه لم يستوعب للآن أن للناس فيما يعشقون مذاهب .


اسم المتحف على أمام المدخل الرئيسي له المتحف يمثل جزيرة في وسط البحر ، و الرابط الوحيد بينه و بين اليابسة هو جسر
منه تشاهد الدوحة القديمة ( الموجودة في الصورة )

هذه الردهة مقابلة لباب الدخول مباشرة

من هذه النوافذ بإمكانك مشاهدة (الدوحة الجديدة) و هي المنطقة التي تقع في الطرف المقابل

و تتركز بها ناطحات السحاب التي تبنى هناك الآن
لم أستطع منع نفسي من الضحك على تعابير الوجهين المرسومين داخل "الطاسة" !

اتوقع أن صانعها بدأ العمل بها بعد الإنتهاء من راس "ترياك" !

من كثرة "المواعين" الموجودة بالمتحف توصلت إلى استنتاج أن الشعوب الإسلامية شعوب "بطينية" بالفطرة
حيث أن معظم ما بقي من آثارها هو "مواعين الأكل" !
إلى الآن قاعد أحاول أتخيل حجم رقعة الشطرنج إذا كانت أحجارها بهذا الحجم !
إما إنهم كانوا عمالقة أو إنهم كانوا يلعبونها و هم فوق أحصنتهم !
هالخوذة ذكرتني بفيلم " وا إسلاماه " لأحمد مظهر لمّا مثل دور سيف الدين قطز !
الذي هزم المغول بـ"عين جالوت"
كل ما تمعنت بالصورة أكثر كل ما توصلت إلى الإقتناع أكثر بأنها أشبه بوجه "بوكيمون" منها للخريطة!قارورة من الذهب الخالص و بالنهاية داخلها "ماي ورد"!هذا المجسم يملك هيبة كبيرة! أعتقد أن الصورة لا توفيه حقهفي هذه الصورة يشرح الكاتب منازل القمر ، و في هذه الصفحة وصل للمنزل الخامس عشر المعروف بـ"الغفرة" جامي شاعر فارسي قديم له قصائد عديدة تتعلق بالعرفان و التصوف و الحكمة
رغم أنه ليس ذو شهرة واسعة إلا أن ديوانه معروف عند المهتمين بهذا المجال
و قد ذكره العلامة الطهراني في موسوعته النفيسة ( الذريعة ).
شدتني طريقة إذابة العقيق و صبه على الحجر على شكل صورة شاه جهان زوج ممتاز محل الذي بنى "تاج محل" تكريمًا لها!
غمد الخنجر مصنوع من المخمل الأحمر و مطرز بالذهب و الياقوت !
لمّا شفت المقلمتين .. تذكرت مقلمة أحد أصدقائي في الثانوية ، كانت 'متروسة' بكل أنواع الأقلام و المساطر
احدى الذكريات الجميلة معها ، في ثانية ثانوي و بمختبر الكيمياء كنت جالس على الطاولة الأولى و خلفي بطاولتين كان صديقي صاحب المقلمة و لأنني أكره الكيمياء و ما " أبلع " شرح الأستاذ حذفت " محاية " على صديقي - من باب التحرش و تضييع الوقت - و هو يكتب الدرس فكانت إصابة مباشرة لرأسه! و ردًا على هذا الهجوم المباغت مسك مقلمته "الضخمة" و حذفها بكل قوة و "حقد" باتجاهي، و بلطف من الله و حسن التقدير أزحت رأسي بمقدار 45 درجة لتمر المقلمة من جانب رأسي و تتوجه بسرعة الصاروخ لتضرب ظهر الاستاذ و هو يكتب على السبورة!
ما في داعي لذكر باقي التفاصيل .. لأنها بقدر ما كانت 'مؤلمة' للاستاذ بقدر ما هي مضحـكة لنا بسبب الذي حدث و بسبب تصرف الأستاذ .. و لكن تخيلت لو أن المقلمة كانت مثل اللي بالصورة! شنو اللي راح يصير !!
اللوحة مرسومة بالأصباغ و "منقشة" بالذهب ، و كما ذكر العلامة آغا بزرگ الطهراني في الذريعة ج 19 أن عنوانها هو "فرس نامه" و تعني تاريخ الفرس.
و كان الشاهات يطلبون صنع نسخة من هذا الكتاب ربطًا لأنفسهم بتاريخ إيران ، و تعد شاهنامة (تاريخ ملوك فارس) الشاه طهماسب الصفوي أروع و أجمل الشاهنامات التي نُظمت في التاريخ الإيراني.

أعتقد أن الصورة تعود لعهد الشاه عباس الصفوي الكبير ، ففي عهده اصبحت اصفهان عاصمة للدولة و حاضرة كبيرة من حواضر العالم الإسلامي ، و كانت وفود الأوروبيين من السياح و الرحالة و السياسيين تأتي لها بحيث أصبح وجودهم مألوفًا في أصفهان ذلك الوقت.
و لكن ما لفت انتباهي في الصورة هو رسم ( الكلب ) أجلكم الله خلف الرجل الأوروبي ! و في هذا إشارة لاستحقار الرسّام للأوروبيين لأن الكلب - أجلكم الله - في المفهوم العام يشير للتحقير و النجاسة! و هو عكس المعنى الذي يشير له عند الأوربيين .. أعتقد أن وجوده في اللوحة أضفى ( طباقا ) جميلا لها.
جزء من نقش جداري كبير موجود في المتحف ، و هي أسماء كتبت باللغة العربية في الهند المغولية
منقوشة على أحجار مصنوعة من الطين الأحمر.


لوحتان تمثلان حسن علي ميرزا و الشيخ علي ميرزا من الشاهات القاجاريين ، و هم آذريين ينحدرون من القبائل الآذرية في شمال إيران ، و تأسست الدولة القاجارية على يد نادر الدين شاه قاجار الذي انقلب على الدولة الصفوية و أسس الامبراطورية القاجارية في إيران قبل أن تنتهي و تسقط على يد رضان خان بهلوي ( والد آخر الشاهات محمد رضا بهلوي ).

بخط محمد بن سيف الدين النقاش - بغداد

اللوحة مرسومة في حدود عام 1644 م

يُعتقد أن هذا الرأس يعود لتمثال يمثل أحد أمراء السلاجقة لمدينة الري و هو مصنوع بالكامل من الجص المطلي.


صورة أخرى من شاهنامة طهماسب و تمثل قصة عبور " فريدون " لنهر دجلة بالعراق.

.....

و هنـاك صور أخرى عديدة لا يسع المجال لنشرها كلها.

أعتقد أن المتحف من الأماكن القليلة التي تستحق التفكير الجدي بزيارتها من كل شخص.

موقع المتحف على الإنترنت : متحف الفن الإسلامي .

1 يونيو، 2009

الـحُـب الأنـانـي


الإنسان مجبول على حب ذاته [1]، هذه قاعدة أخلاقية إن امكن التعبير عنها بذلك ثابتة عند معظم علماء الأخلاق، ويصف هذا الحب المولى النراقي على أنه حبٌ لدوام الوجود، فهو يحب البقاء و يحب الاستمرار و يكره العدم الذي يتصوره بالموت و يكره الألم لانه يعني انعدام الراحة و يحب الشبع لأنه يعني انعدام الجوع، فهذا الحب هو الذي يجذب الفائدة و المنفعة للإنسان لأنه من خلاله يفعل كل ما بإمكانه لضمان استمرارية وجوده أو إطالة بقائه و في نفس الوقت هذا الحب هو الذي يدفع المفسدة و المضرة عنه.
.
فالحب[2] هو غريزة أساسية في كل إنسان جُبل عليها ،تختلف أنواعها و تتعدد و لكن تظل أقواها محبته لنفسه لأنها التي تعطيه الدافعية للعمل " المصلحي" ليستمر وجوده، و لأنها موجودة فيه فهذا يعني أنها موجودة عند غيره، من هنا يظهر أن كل عمل يقوم به الإنسان هو عمل مصلحي بالدرجة الاولى ينبع من الأنانية (الـ أنا)،أنانية الاستئثار بما يحقق للفرد المصلحة التي يبتغيها.
.
و لكن هناك مسألة أخرى تتداخل و هي مسألة الثواب و العقاب على الأعمال ،إذا كانت أعمالنا تنطلق من دافعية غريزة الحب ،و هذه الغريزة قائمة على مبدأ جلب المنفعة و درء المفسدة،فلماذا نحن محاسبون على ما يجلب المنفعة و يطرد المفسدة؟
.
الواقع أن الإجابة تكمن في ضرورة تهذيب هذا الحب،الثواب و العقاب ليسا سوى نوع من تهذيب المصلحة و الإرتقاء بها لدرجة أعلى، لكون الحب هو فطرة تدعو صاحبها لحب ذاته و ما يمت لها بصلة فهي تتطرف في جلب المنفعة على حساب الآخرين،يمكن ملاحظة هذا الشيء بدرجة كبيرة عند المصابين بداء العظمة أو النرجسية و ما يُطلق عليهم 'الديكتاتوريين' فأعمالهم كلها من وجهة نظرهم مبررة لأنها قائمة على جلب مصلحة لهم و دفع المضرة عنهم،فالقاتل يقتل لمصلحة و السارق يسرق لمصلحة و هذه كلها متولدة من شعور حب الذات، و ما يحيّد هذه التصرفات و يقمعها في النفوس السليمة هو إيمانها بواقع الثواب و العقاب لأنها بذلك تكبح جماح "حب الذات" من التعدي على الآخرين خوفًا من العقاب لأن أثر العقاب و ألمه سيكون أكبر من الفائدة المرجوة من التعدي على الآخرين أو تتوقف عن التعدي طمعًا بالثواب الذي يحقق مصلحة أكبر و أفضل من تجاوز حقوق الآخرين و بذلك يتهذب هذا الشعور.
.
يقول العلامة الطباطبائي :
« ومن المعلوم أنّ الاَخلاق إذا اعتمدت على هذه العقيدة [3]لم يبق للاِنسان همّ إلاّ مراقبة رضاه تعالى في أعماله ، وكانت التقوى رادعًا داخليًا له عن ارتكاب الجرم ، ولولا ارتضاع الاَخلاق من ثدي هذه العقيدة ـ عقيدة التوحيد ـ لم يبق للاِنسان غاية في أعماله الحيوية إلاّ التمتع بمتاع الدنيا الفانية والتلذذ بلذائذ الحياة المادية»[4]
.
وجود الحب وحده و الإعتماد عليه لا يكفي لأنه بحاجة لمَسلك يرسم له الطريق الصحيح الذي يجب أن يسير عليه، الحب هو طاقة هائلة مندفعة كالسيارة المسرعة في السباق إذا لم يُحدد لها المسار ضاعت سرعتها دون أن يفوز صاحبها،فكما أن السيارة بحاجة لطريق مخطط عليه الإتجاه كذلك الحب بحاجة لمسلك أو بالأحرى فعل 'مهذب' يترجم هذا الشعور الطاغي و يحوله من شيء باطني داخل نفس الإنسان إلى ظاهري يتمثل بالخارج.
.
جانب كبير من الهويّة الإنسانية أنها تقوم على مبدأ عدم الإشتراك،يعني أنني أنا أختلف مع غيري ،أملك شيئًا يميزني و يعطيني الإنفراد عن الآخرين،ميولي قد لا تناسب ميول الآخرين،هواياتي كذلك،بل حتى فكري و قلمي و هيأتي الخارجية كلها تجذب بعضًا و تنفر بعضًا آخرين، فالناس لا يفكرون بطريقة واحدة ولا يملكون نفس الأعين لينظروا من خلالها لكل شيء نظرة واحدة،فكل سلوك أو منهج أتخذه و أجعله مؤطرًا لهذه الطاقة التي فيني ستوجد من يختلف معها،الفوز بمحبة جميع الناس هو غاية ينالها منعدم الشخصية أو المنافق المتلون،الذي يعطي لكل جانب الوجه الذي يريده،بينما من يملك هويّة [5] من المستحيل عليه أن يداري باعتقاده في كل الأوقات كل الناس.
.
هذا الإختلاف حالة تدل على طبيعة جريان الحياة و لولاه لما حدث هناك (تدافع اجتماعي) يكون نتيجته تطور المجتمع و ارتقاؤه،فمن صراع المختلفين تنتج الفائدة لهما ،حب الذات هذا قد يكون في قوة جاذبيته للمنفعة عند كل البشر نوع من التدافع و لكنه لا يكتمل إلا إذا تحول هذا الحب في طور من أطواره إلى طارد / دافع للمضرة التي قد يراها طرف آخر مصلحة فيجذبها.
.
نوعية هذا الجذب و الطرد هي التي تحدد الشخصية،من يطرد السيء يجذب الحسن و العكس صحيح فيما يُروى عن الإمام علي عليه السلام : لا يسود الرجل حتى لا يُبالي في أي ثوبيه ظهر.
و معناها أن من يملك قابلية السيادة و فرض النفس على الآخرين بالقبول هو الذي يعتمد على انتهاج منهج واضح لا تعارض فيه بين ما يؤمن به و ما يفعله،فيكون تقييمه على رأيه و شخصه لا على "لبسه و مظهره"،و هكذا يضمن الوصول لأكبر شريحة من الناس ،فخيركم – كما في الرواية – من يألف و يؤلف، الثبـات يعطي الثقة بالنفس و هذه الثقة تنتشر للآخرين فيثقون بك من هنا يتآلفون معك.
.
« إن حب الذات الذي جبل عليه الإنسان لم يُخلق عبثًا لكي يحاول اجتثاثه من دخيلته ، إن صلاح الإنسان و بلوغه الكمال لا يعني أن هناك مجموعة من الامور الزائدة قد عبئت في ذاته فعليه أن يسعى لإزالة تلك الامور الزائدة المذمومة المضرة،و بعبارة أخرى: تكامل الإنسان لا يكون بالحذف منه،بل بالإضافة إليه.
إن الواجب الملقى على كاهل الإنسان هو السير نحو الاكتمال،و هذا يكون بالاستزادة لا بالانتقاص
»[6]
.
اليوم نعيش في زمن انقلبت فيه المفاهيم أصبح الحب يُصور على أنه عطاء بلا حدود و أن الأنانية فيه هي وصمة عار في جبينه،و لكن لاشيء من هذا صحيح، العار هو أن يحول الإنسان نفسه إلى كيس ملاكمة تلتقطه كل يد و تضربه كل كف! كأنه لا قيمة و لا دور سوى العطاء اللامحدود فقط، الصداقة و حسن التعامل مع الآخرين لا يعني التحول إلى 'كائـن' بلا مخالفين له فهذا مستحيل على الأسوياء.
.
العطاء بلاحدود و دون مقابل هو "استغفال" للمعطي،لابد من وجود ثمن و فائدة يجعل لهذا العطاء قيـمة و مكانة، الأنانية ليست شرًا مطلق بل هي خير و لكن بشرط أن تلتزم بمنهج سليم ،منهج يجعل هذه الأنانية أداة لجلب المنفعة للإنسان و بالتالي لمجتمعه، الأنانية تصبح سلبية حين تكون متعلقة بذات واحدة ترى نفسها فوق الجميع،و رغبتها فوق رغبات كل المحيطين بها وترى في نفسها علوًا على الباقين ، و لكنها إيجابية جدًا إذا أمكن استغلالها جيدًا و تهذيبها بتحويل (الـذات) إلى كيان يشترك مع ذوات الآخرين و يتفاعل معهم من خلال إضافة منهج لها يقودها و بالتالي أنت و المجتمع للأفضل.
.
بدلاً من محاربة "حب الذات" و تصويره على أنه خطيئة يجب التطهر منها،حوله لحسنة تجلب النفع لك و لغيرك لأنه طاقة هائلة و جبارة محاربتها ستكلفك و تتعبك أكثر من احتوائها وجعلها أداة ارتقاء لك بتشذيبها.

ملاحظة : هذه المقالة مجدولة للنشر آليًا ،اللي يخاف من العفريت يطلعلو، و لأني أخاف أن اخطو خطوة واحدة دون حسابها،طلعت لي "رحلة سفر" اضطرارية من اللامكان! نراكم بعد أسبوع إن شاء الله :) .
________________
[1] جامع السعادات ، للشيخ محمد مهدي النراقي رحمه الله ج 3 ص 626 / و فيه توسع بحثي جميل من المؤلف في مسألة الحب و الكره.
[2] الحب كما كتبت عنه سابقًا هو مصطلح فضفاض،له تعاريف عديدة، ما أتحدث عنه هنا هو الحب كغريزة لا حب اللذة الشهوية و هو "قاتل الفضيلة" التي تحدثت عنه سابقا : راجع هنا و كذلك راجع هنا
[3] العقيدة المقصودة هي ما شرحها العلامة بقوله : « إن الاخلاق لا تفي بإسعاد المجتمع ولاتسوق الاِنسان إلى صلاح العمل إلاّ إذا اعتمدت على التوحيد ، وهو الاِيمان بأنّ للعالم ـ ومنه الاِنسان ـ إلهًا واحدًا سرمديًا لا يعزب عن علمه شيء ، ولا يُغلَب في قدرته ، خلق الاَشياء على أكمل نظام لا لحاجة منه إليها وسيعيدهم إليه فيحاسبهم فيجزي المحسن بإحسانه ويعاقب المسيء بإساءته ثم يخلدون منعّمين أو معذّبين»
[4] الميزان في تفسير القرآن ج 11
[5] راجع موضوع : من أنـا ؟
[6] من كلمات الشهيد د. مرتضى مطهري